الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

350

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وزاد فقال « وحذف النون إذا رفعت ( إسار ) استطالة للاسم كأنه استطال خطتا ببدله وهو قوله : إما إسار » إلخ . والمعنى : إنا هديناه السبيل في حال أنه متردد أمره بين أحد هذين الوصفين وصف شاكر ووصف كفور ، فأحد الوصفين على الترديد مقارن لحال إرشاده إلى السبيل ، وهي مقارنة عرفية ، أي عقب التبليغ والتأمل ، فإن أخذ بالهدى كان شاكرا وإن أعرض كان كفورا كمن لم يأخذ بإرشاد من يهديه الطريق فيأخذ في طريق يلقى به السباع أو اللصوص ، وبذلك تم التمثيل الذي في قوله : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ . [ 4 ] [ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 4 ] إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً ( 4 ) أريد التخلص إلى جزاء الفريقين الشاكر والكفور . والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لأن قوله : إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [ الإنسان : 3 ] يثير تطلع السامعين إلى معرفة آثار هذين الحالين المتردد حاله بينهما ، فابتدئ بجزاء الكافر لأن ذكره أقرب . وأكد الخبر عن الوعيد بحرف التأكيد لإدخال الروع عليهم لأن المتوعّد إذا أكّد كلامه بمؤكّد فقد آذن بأنه لا هوادة له في وعيده . وأصل أَعْتَدْنا أعددنا ، بدالين ، أي هيأنا للكافرين ، يقال : اعتدّ كما يقال : أعدّ ، قال تعالى : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً [ يوسف : 31 ] . وقد تردد أئمة اللغة في أن أصل الفعل بدالين أو بتاء ودال فلم يجزموا بأيهما الأصل لكثرة ورود فعل : أعدّ ، وفعل اعتدّ في الكلام والأظهر أنهما فعلان نشئا من لغتين غير أن الاستعمال خصّ الفعل ذا التاء بعدة الحرب فقالوا : عتاد الحرب ولم يقولوا عداد . وأما العدة بضم العين فتقع على كل ما يعد ويهيأ ، يقال : أعد لكل حال عدة . ويطلق العتاد على ما يعدّ من الأمور . والأكثر أنه إذا أريد الإدغام جيء بالفعل الذي عينه دال وإذا وجد مقتضى فك الإدغام لموجب مثل ضمير المتكلم جيء بالفعل الذي عينه تاء . والسلاسل : القيود المصنوعة من حلق الحديد يقيد بها الجناة والأسرى .