الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

346

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أي هل أتى على كل إنسان حين كان فيه معدوما . و الدَّهْرِ : الزمان الطويل أو الزمان المقارن لوجود العالم الدنيوي . والحين : مقدار مجمل من الزمان يطلق على ساعة وعلى أكثر ، وقد قيل إن أقصى ما يطلق عليه الحين أربعون سنة ولا أحسبه . وجملة لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً يجوز أن تكون نعتا ل حِينٌ بتقدير ضمير رابط بمحذوف لدلالة لفظ حِينٌ على أن العائد مجرور بحرف الظرفية حذف مع جاره كقوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً [ البقرة : 48 ] إذ التقدير : لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا ، فالتقدير هنا : لم يكن فيه الإنسان شيئا مذكورا ، أي كان معدوما في زمن سبق . ويجوز أن تكون الجملة حالا من الْإِنْسانِ ، وحذف العائد كحذفه في تقدير النعت . والشيء : اسم للموجود . والمذكور : المعيّن الذي هو بحيث يذكر ، أي يعبّر عنه بخصوصه ويخبر عنه بالأخبار والأحوال . ويعلّق لفظه الدال عليه بالأفعال . فأمّا المعدوم فلا يذكر لأنه لا تعيّن له فلا يذكر إلّا بعنوانه العام كما تقدّم آنفا ، وليس هذا هو المراد بالذّكر هنا . ولهذا نجعل مَذْكُوراً وصفا ل شَيْئاً ، أريد به تقييد شَيْئاً ، أي شيئا خاصا وهو الموجود المعبر عنه باسمه المعيّن له . [ 2 ] [ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 2 ] إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ( 2 ) استئناف بياني مترتب على التقرير الذي دل عليه هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [ الإنسان : 1 ] لما فيه من التشويق . والتقرير يقتضي الإقرار بذلك لا محالة لأنه معلوم بالضرورة ، فالسامع يتشوف لما يرد بعد هذا التقرير فقيل له : إن اللّه خلقه بعد أن كان معدوما فأوجد نطفة كانت معدومة ثم استخرج منها إنسانا ، فثبت تعلّق الخلق بالإنسان بعد عدمه .