الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
345
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الناس من شكر نعمة اللّه ومنهم من كفرها فعبد غيره . وتثبيت النبي صلى اللّه عليه وسلم على القيام بأعباء الرسالة والصبر على ما يلحقه في ذلك ، والتحذير من أن يلين للكافرين ، والإشارة إلى أن الاصطفاء للرسالة نعمة عظيمة يستحق اللّه الشكر عليها بالاضطلاع بها اصطفاه له وبالإقبال على عبادته . والأمر بالإقبال على ذكر اللّه والصلاة في أوقات من النهار . [ 1 ] [ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ( 1 ) استفهام تقريري والاستفهام من أقسام الخطاب وهو هنا موجّه إلى غير معين ومستعمل في تحقيق الأمر المقرر به على طريق الكناية لأن الاستفهام طلب الفهم ، والتقرير يقتضي حصول العلم بما قرر به وذلك إيماء إلى استحقاق اللّه أن يعترف الإنسان له بالواحدانية في الربوبية إبطالا لإشراك المشركين . وتقديم هذا الاستفهام لما فيه من تشويق إلى معرفة ما يأتي بعده من الكلام . فجملة هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ تمهيد وتوطئة للجملة التي بعدها وهي إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ [ الإنسان : 2 ] إلخ . و هَلْ حرف يفيد الاستفهام ومعنى التحقيق ، وقال جمع أصل هَلْ إنها في الاستفهام مثل ( قد ) في الخبر ، وبملازمة هَلْ الاستفهام كثير في الكلام حذف حرف الاستفهام معها فكانت فيه بمعنى ( قد ) ، وخصت بالاستفهام فلا تقع في الخبر ، ويتطرق إلى الاستفهام بها ما يتطرق إلى الاستفهام من الاستعمالات . وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ في سورة البقرة [ 210 ] . وقد علمت أن حمل الاستفهام على معنى التقرير يحصّل هذا المعنى . والمعنى : هل يقر كل إنسان موجود أنه كان معدوما زمانا طويلا ، فلم يكن شيئا يذكر ، أي لم يكن يسمى ولا يتحدث عنه بذاته ( وإن كان قد يذكر بوجه العموم في نحو قول الناس : المعدوم متوقف وجوده على فاعل . وقول الواقف : حبست على ذريتي ، ونحوه فإن ذلك ليس ذكرا لمعين ولكنه حكم على الأمر المقدّر وجوده ) . وهم لا يسعهم إلّا الإقرار بذلك ، فلذلك اكتفي بتوجيه هذا التقرير إلى كل سامع . وتعريف الْإِنْسانِ للاستغراق مثل قوله : إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا الآية [ العصر : 2 ، 3 ] ،