الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

330

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وتقديم المجرور من قوله : إِلى رَبِّها على عامله للاهتمام بهذا العطاء العجيب وليس للاختصاص لأنهم ليرون بهجات كثيرة في الجنة . وبين ناضِرَةٌ و ناظِرَةٌ جناس محرف قريب من التامّ . وسوغ الابتداء بالنكرة في قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ أنها أريد بها التفصيل والتقسيم لمقابلته بقوله : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ، على حد قول الشاعر : فيوم علينا ويوم لنا * ويوم نساء ويوم نسر وأما الوجوه الباسرة فنوع ثان من وجوه الناس يومئذ هي وجوه أهل الشقاء . وأعيد لفظ يَوْمَئِذٍ تأكيدا للاهتمام بالتذكير بذلك اليوم . و باسِرَةٌ : كالحة من تيقن العذاب ، وتقدم عند قوله تعالى : ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ في سورة المدثر [ 22 ] . فجملة تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ استئناف بياني لبيان سبب بسورها . و فاقِرَةٌ : داهية عظيمة ، وهو نائب فاعل يُفْعَلَ بِها ولم يقترن الفعل بعلامة التأنيث لأن مرفوعه ليس مؤنثا حقيقيا ، مع وقوع الفصل بين الفعل ومرفوعه ، وكلا الأمرين يسوغ ترك علامة التأنيث . وإفراد فاقِرَةٌ إفراد الجنس ، أي نوعا عظيما من الداهية . والمعنى : أنهم أيقنوا بأن سيلاقوا دواهي لا يكتنه كنهها . [ 26 - 30 ] [ سورة القيامة ( 75 ) : الآيات 26 إلى 30 ] كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ ( 26 ) وَقِيلَ مَنْ راقٍ ( 27 ) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ ( 28 ) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ( 29 ) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ ( 30 ) ردع ثان على قول الإنسان أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ [ القيامة : 6 ] ، مؤكّد للردع الذي قبله في قوله : كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ [ القيامة : 20 ] . ومعناه زجر عن إحالة البعث فإنه واقع غير بعيد فكل أحد يشاهده حين الاحتضار للموت كما يؤذن به قوله : إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ أتبع توصيف أشراط القيامة المباشرة لحلوله بتوصيف أشراط حلول التهيّؤ الأول للقائه من مفارقة الحياة الأولى . وعن المغيرة بن شعبة يقولون : القيامة القيامة ، وإنما قيامة أحدهم موته ، وعن علقمة