الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

331

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أنه حضر جنازة فلما دفن قال : « أمّا هذا فقد قامت قيامته » ، فحالة الاحتضار هي آخر أحوال الحياة الدنيا يعقبها مصير الروح إلى تصرف اللّه تعالى مباشرة . وهو ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة كأنه قيل : ارتدعوا وتنبهوا على ما بين أيديكم من الموت الذي عنده تنقطع العاجلة وتنتقلون إلى الآجلة ، فيكون ردعا على محبة العاجلة وترك العناية في الآخرة ، فليس مؤكدا للردع الذي في قوله : كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ [ القيامة : 20 ] بل هو ردع على ما تضمنه ذلك الردع من إيثار العاجلة على الآخرة . و إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ متعلق بالكون الذي يقدر في الخبر وهو قوله : إِلى رَبِّكَ . والمعنى : المساق يكون إلى ربك إذا بلغت التراقي . وجملة إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ بيان للردع وتقريب لإبطال الاستبعاد المحكي عن منكري البعث بقوله : يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ [ القيامة : 6 ] . و إِذا ظرف مضمن معنى الشرط ، وهو منتصب بجوابه أعني قوله : إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ . وتقديم إِلى رَبِّكَ على متعلقه وهو الْمَساقُ للاهتمام به لأنه مناط الإنكار منهم . وضمير بَلَغَتِ راجع إلى غير مذكور في الكلام ولكنه معلوم من فعل بَلَغَتِ ومن ذكر التَّراقِيَ فإن فعل بَلَغَتِ التَّراقِيَ يدل أنها روح الإنسان . والتقدير : إذا بلغت الروح أو النفس . وهذا التقدير يدل عليه الفعل الذي أسند إلى الضمير بحسب عرف أهل اللسان ، ومثله قول حاتم الطائي : أماويّ ما يغني الثّراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر أي إذا حشرجت النفس . ومن هذا الباب قول العرب « أرسلت » يريدون : أرسلت السماء المطر ، ويجوز أن يقدر في الآية ما يدل عليه الواقع . والأنفاس : جمع نفس ، بفتح الفاء ، وهو أنسب بالحقائق . و التَّراقِيَ : جمع ترقوة ( بفتح الفوقية وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو مخففة وهاء تأنيث ) وهي ثغرة النحر ، ولكل إنسان ترقوتان عن يمينه وعن شماله . فالجمع هنا مستعمل في التثنية لقصد تخفيف اللفظ وقد أمن اللبس ، لأن في تثنية