الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
326
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الشرعيين لم يكن مذموما . قال تعالى فيما حكاه عن الذين أوتوا العلم من قوم قارون وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا [ القصص : 77 ] . ويجوز أن يكون إبطالا لما تضمنه قوله : وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ [ القيامة : 15 ] فهو استئناف ابتدائي . والمعنى : أن معاذيرهم باطلة ولكنهم يحبون العاجلة ويذرون الآخرة ، أي آثروا شهواتهم العاجلة ولم يحسبوا للآخرة حسابا . وقرأ الجمهور تُحِبُّونَ و تَذَرُونَ بتاء فوقية على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في موعظة المشركين مواجهة بالتفريع لأن ذلك أبلغ فيه . وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب بياء تحتية على نسق ضمائر الغيبة السابقة ، والضمير عائد إلى الْإِنْسانُ في قوله : بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [ القيامة : 14 ] جاء ضمير جمع لأن الإنسان مراد به الناس المشركون ، وفي قوله : بَلْ تُحِبُّونَ ما يرشد إلى تحقيق معنى الكسب الذي وفق إلى بيانه الشيخ أبو الحسن الأشعري وهو الميل والمحبة للفعل أو الترك . [ 22 - 25 ] [ سورة القيامة ( 75 ) : الآيات 22 إلى 25 ] وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ( 24 ) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ ( 25 ) المراد ب يَوْمَئِذٍ يوم القيامة الذي تكرر ذكره بمثل هذا ابتداء من قوله : يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ [ القيامة : 10 ] ، وأعيد مرتين . والجملة المقدرة المضاف إليها ( إذ ) ، والمعوّض عنها التنوين تقديرها : يوم إذ برق البصر . وقد حصل من هذا تخلص إلى إجمال حال الناس يوم القيامة بين أهل سعادة وأهل شقاوة . فالوجوه الناضرة وجوه أهل السعادة والوجوه الباسرة وجوه أهل الشقاء ، وذلك بين من كلتا الجملتين . وقد علم الناس المعنيّ بالفريقين مما سبق نزوله من القرآن كقوله في سورة عبس [ 40 - 42 ] : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ فعلم أن أصل أسباب السعادة الإيمان باللّه وحده وتصديق رسوله صلى اللّه عليه وسلم والإيمان بما جاء به