الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
327
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وأن أصل أسباب الشقاء الإشراك باللّه وتكذيب الرسول صلى اللّه عليه وسلم ونبذ ما جاء به . وقد تضمن صدر هذه السورة ما ينبئ بذلك كقوله : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ [ القيامة : 3 ] وقوله : بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ [ القيامة : 5 ] . وتنكير وُجُوهٌ للتنويع والتقسيم كقوله تعالى : فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [ الشورى : 7 ] وقول الشاعر وهو من أبيات « كتاب الآداب » ولم يعزه ولا عزاه صاحب « العباب » في شرحه : فيوم علينا ويوم لنا * ويوم نساء ويوم نسر وقول أبي الطيب : فيوما بخيل تطرد الروم عنهم * ويوم بجود تطرد الفقر والجدبا فالوجوه الناضرة الموصوفة بالنضرة ( بفتح النون وسكون الضاد ) وهي حسن الوجه من أثر النعمة والفرح ، وفعله كنصر وكرم وفرح ، ولذلك يقال : ناضر ونضير ونضر ، وكني بنضرة الوجوه عن فرح أصحابها ونعيمهم ، قال تعالى في أهل السعادة تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [ المطففين : 24 ] لأن ما يحصل في النفس من الانفعالات يظهر أثره . وأخبر عنها خبرا ثانيا بقوله : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ وظاهر لفظ ناظِرَةٌ أنه من نظر بمعنى : عاين ببصره إعلانا بتشريف تلك الوجوه أنها تنظر إلى جانب اللّه تعالى نظرا خاصا لا يشاركها فيه من يكون دون رتبهم ، فهذا معنى الآية بإجماله ثابت بظاهر القرآن وقد أيدتها الأخبار الصحيحة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . فقد روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة « أن أناسا قالوا يا رسول اللّه هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال : هل تضارّون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوا ؟ قلنا : لا ، قال : فإنكم لا تضارّون في رؤية ربكم يومئذ إلّا كما تضارون في رؤيتهما » . و في رواية « فإنكم ترونه كذلك » وساق الحديث في الشفاعة . و روى البخاري عن جرير بن عبد اللّه قال : « كنا جلوسا عند النبي صلى اللّه عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر قال : إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته » وربما قال : « سترون ربكم عيانا » .