الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
322
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فعله في الحالين فخالف ما كلف به ومما علّمه النبي صلى اللّه عليه وسلم من الدعاء : « فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت » . [ 14 - 15 ] [ سورة القيامة ( 75 ) : الآيات 14 إلى 15 ] بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ( 14 ) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ ( 15 ) إضراب انتقالي ، وهو للترقي من مضمون يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ [ القيامة : 13 ] إلى الإخبار بأن الكافر يعلم ما فعله لأنهم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ، إذ هو قرأ كتاب أعماله فقال : يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ [ الحاقة : 25 ، 26 ] ، وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً [ الكهف : 49 ] . وقال تعالى : اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [ الإسراء : 14 ] . ونظم قوله : بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ صالح لإفادة معنيين : أولهما أن يكون بَصِيرَةٌ بمعنى مبصر شديد المراقبة فيكون بَصِيرَةٌ خبرا عن الْإِنْسانُ . و عَلى نَفْسِهِ متعلقا ب بَصِيرَةٌ ، أي الإنسان بصير بنفسه . وعدّي بحرف عَلى لتضمينه معنى المراقبة وهو معنى قوله في الآية الأخرى : كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً . وهاء بَصِيرَةٌ تكون للمبالغة مثل هاء علامة ونسّابة ، أي الإنسان عليم بصير قوي العلم بنفسه يومئذ . والمعنى الثاني : أن يكون بَصِيرَةٌ مبتدأ ثانيا ، والمراد به قرين الإنسان من الحفظة وعلى نفسه خبر المبتدأ الثاني مقدما عليه ، ومجموع الجملة خبرا عن الْإِنْسانُ ، و بَصِيرَةٌ حينئذ يحتمل أن يكون بمعنى بصير ، أي مبصر والهاء للمبالغة ، كما تقدم في المعنى الأول ، وتكون تعدية بَصِيرَةٌ ب عَلى لتضمينه معنى الرقيب كما في المعنى الأول . ويحتمل أن تكون بَصِيرَةٌ صفة لموصوف محذوف ، تقديره : حجة بصيرة ، وتكون بَصِيرَةٌ مجازا في كونها بينة كقوله تعالى : قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ [ الإسراء : 102 ] ومنه قوله تعالى : وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً [ الإسراء : 59 ] والتأنيث لتأنيث الموصوف . وقد جرت هذه الجملة مجرى المثل لإيجازها ووفرة معانيها .