الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

323

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ في موضع الحال من المبتدأ وهو الإنسان ، وهي حالة أجدر بثبوت معنى عاملها عند حصولها . لَوْ هذه وصليّة كما تقدم عند قوله تعالى : فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ في آل عمران [ 91 ] . والمعنى : هو بصيرة على نفسه حتى في حال إلقائه معاذيره . والإلقاء : مراد به الإخبار الصريح على وجه الاستعارة ، وقد تقدم عند قوله تعالى : فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ في سورة النحل [ 86 ] . والمعاذير : اسم جمع معذرة ، وليس جمعا لأن معذرة حقه أن يجمع على معاذر ، ومثل المعاذير قولهم : المناكير ، اسم جمع منكر . وعن الضحاك : أن معاذير هنا جمع معذار بكسر الميم وهو الستر بلغة اليمن يكون الإلقاء مستعملا في المعنى الحقيقي ، أي الإرخاء ، وتكون الاستعارة في المعاذير بتشبيه جحد الذنوب كذبا بإلقاء الستر على الأمر المراد حجبه . والمعنى : أن الكافر يعلم يومئذ أعماله التي استحق العقاب عليها ويحاول أن يعتذر وهو يعلم أن لا عذر له ولو أفصح عن جميع معاذيره . و مَعاذِيرَهُ : جمع معرف بالإضافة يدل على العموم . فمن هذه المعاذير قولهم : رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ [ المؤمنون : 99 ، 100 ] ومنها قولهم : ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ [ المائدة : 19 ] وقولهم : هؤُلاءِ أَضَلُّونا [ الأعراف : 38 ] ونحو ذلك من المعاذير الكاذبة . [ 16 - 19 ] [ سورة القيامة ( 75 ) : الآيات 16 إلى 19 ] لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ( 19 ) هذه الآية وقعت هنا معترضة . وسبب نزولها ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس أنه قال : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن يحرك به لسانه يريد أن يحفظه مخافة أن يتفلّت منه ، أو من شدة رغبته في حفظه فكان يلاقي من ذلك شدة فأنزل اللّه تعالى : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . قال : جمعه في صدرك ثم تقرأه فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه قال فاستمع له وأنصت ، ثم إن علينا أن نبيّنه بلسانك ، أي أن تقرأه » ا ه .