الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
321
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الإنسان ، أي يقول : أين المفر ؟ ويجيب نفسه بإبطال طعمه فيقول كَلَّا لا وَزَرَ أي لا وزر لي ، وذلك بأن نظر في جهاته فلم يجد إلّا النار كما ورد في الحديث ، فيحسن أن يوصل أَيْنَ الْمَفَرُّ بجملة كَلَّا لا وَزَرَ . وأما قوله : إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ فهو كلام من جانب اللّه تعالى خاطب به النبي صلى اللّه عليه وسلم في الدنيا بقرينة قوله : يَوْمَئِذٍ ، فهو اعتراض وإدماج للتذكير بملك ذلك اليوم . وفي إضافة ( رب ) إلى ضمير النبي صلى اللّه عليه وسلم إيماء إلى أنه ناصره يومئذ بالانتقام من الذين لم يقبلوا دعوته . و الْمُسْتَقَرُّ : مصدر ميمي من استقرّ ، إذا قرّ في المكان ولم ينتقل ، والسين والتاء للمبالغة في الوصف . وتقديم المجرور لإفادة الحصر ، أي إلى ربك لا إلى ملجأ آخر . والمعنى : لا ملجأ يومئذ للإنسان إلّا منتهيا إلى ربك ، وهذا كقوله تعالى : وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [ آل عمران : 28 ] . وجملة يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ مستأنفة استئنافا بيانيا أثاره قوله : إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ، أو بدل اشتمال من مضمون تلك الجملة ، أي إلى اللّه مصيرهم وفي مصيرهم ينبئون بما قدموا وما أخروا . وينبغي أن يكون المراد ب الْإِنْسانُ الكافر جريا على سياق الآيات السابقة لأنه المقصود بالكلام وإن كان كل إنسان ينبأ يومئذ بما قدم وأخر من أهل الخير ومن أهل الشر قال تعالى : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ الآية [ آل عمران : 30 ] . واختلاف مقامات الكلام يمنع من حمل ما يقع فيها من الألفاظ على محمل واحد ، فإن في القرآن فنونا من التذكير لا تلزم طريقة واحدة . وهذا مما يغفل عن مراعاته بعض المفسرين في حملهم معاني الآيات المتقاربة المغزى على محامل متماثلة . وتنبئة الإنسان بما قدّم وأخّر كناية عن مجازاته على ما فعله : إن خيرا فخير وإن سوءا فسوء ، إذ يقال له : هذا جزاء الفعلة الفلانية فيعلم من ذلك فعلته ويلقى جزاءها ، فكان الإنباء من لوازم الجزاء قال تعالى : قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ [ التغابن : 7 ] ويحصل في ذلك الإنباء تقريع وفضح لحاله . والمراد بما قدم : ما فعله وبما أَخَّرَ : ما تركه مما أمر بفعله أو نهي عن