الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

299

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ( 37 ) . الواو المفتتح بها هذه الجملة واو القسم ، وهذا القسم يجوز أن يكون تذييلا لما قبله مؤكّدا لما أفادته كَلَّا من الإنكار والإبطال لمقالتهم في شأن عدة خزنة النار ، فتكون جملة إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ تعليلا للإنكار الذي أفادته كَلَّا ويكون ضمير إِنَّها عائدا إلى سَقَرَ [ المدثر : 26 ] ، أي هي جديرة بأن يتذكر بها فلذلك كان من لم يتذكر بها حقيقا بالإنكار عليه وردعه . وجملة القسم على هذا الوجه معترضة بين الجملة وتعليلها ، ويحتمل أن يكون القسم صدرا للكلام الذي بعده وجملة إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ جواب القسم والضمير راجع إلى سَقَرَ ، أي أن سقر لأعظم الأهوال ، فلا تجزي في معاد ضمير إِنَّها جميع الاحتمالات التي جرت في ضمير وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى [ المدثر : 31 ] . وهذه ثلاثة أيمان لزيادة التأكيد فإن التأكيد اللفظي إذا أكد بالتكرار يكرر ثلاث مرات غالبا ، أقسم بمخلوق عظيم ، وبحالين عظيمين من آثار قدرة اللّه تعالى . ومناسبة القسم ب الْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ أن هذه الثلاثة تظهر بها أنوار في خلال الظلام فناسبت حالي الهدى والضلال من قوله : كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ المدثر : 31 ] ومن قوله : وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ [ المدثر : 31 ] ففي هذا القسم تلويح إلى تمثيل حال الفريقين من الناس عند نزول القرآن بحال اختراق النور في الظلمة . وإدبار الليل : اقتراب تقضيه عند الفجر ، وإسفار الصبح : ابتداء ظهور ضوء الفجر . وكل من إِذْ و إِذا واقعان اسمي زمان منتصبان على الحال من الليل ومن الصبح ، أي أقسم به في هذه الحالة العجيبة الدالة على النظام المحكم المتشابه لمحو اللّه ظلمات الكفر بنور الإسلام قال تعالى : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ إبراهيم : 1 ] . وقد أجريت جملة إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ مجرى المثل . ومعنى إحدى أنها المتوحدة المتميزة من بين الكبر في العظم لا نظيرة لها كما يقال : هو أحد الرجال لا يراد : أنه واحد منهم ، بل يراد : أنه متوحد فيهم بارز ظاهر ، كما تقدم في قوله : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً [ المدثر : 11 ] ، وفي المثل « هذه إحدى حظيّات لقمان » .