الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

300

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقرأ نافع وحمزة وحفص ويعقوب وخلف إِذْ أَدْبَرَ بسكون ذال إِذْ وبفتح همزة أَدْبَرَ وإسكان داله ، أقسم بالليل في حالة إدباره التي مضت وهي حالة متجددة تمضي وتحضر وتستقبل ، فأي زمن اعتبر معها فهي حقيقة بأن يقسم بكونها فيه ، ولذلك أقسم بالصبح إذا أسفر مع اسم الزمن المستقبل . وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم والكسائيّ وأبو جعفر إذا دبر بفتح الذال المعجمة من إذا بعدها ألف ، وبفتح الدّال المهملة من دبر على أنه فعل مضي مجرد ، يقال : دبر ، بمعنى : أدبر ، ومنه وصفه بالدّابر في قولهم : أمس الدّابر ، كما يقال : قبل بمعنى أقبل ، فيكون القسم بالحالة المستقبلة من إدبار الليل بعد نزول الآية ، على وزان إِذا أَسْفَرَ في قراءة الجميع ، وكل ذلك مستقيم فقد حصل في قراءة نافع وموافقيه تفنن في القسم . و الْكُبَرِ : جمع الكبرى في نوعها ، جمعوه هذا الجمع على غير قياس بابه لأن فعلى حقها أن تجمع جمع سلامة على كبريات ، وأما بنية فعل فإنها جمع تكسير لفعلة كغرفة وغرف ، لكنهم حملوا المؤنث بالألف على المؤنث بالهاء لأنهم تأولوه بمنزلة اسم للمصيبة العظيمة ولم يعتبروه الخصلة الموصوفة بالكبر ، أي أنثى الأكبر فلذلك جعلوا ألف التأنيث التي فيه بمنزلة هاء التأنيث فجمعوه كجمع المؤنث بالهاء من وزن فعلة ولم يفعلوا ذلك في أخواته مثل عظمى . وانتصب نَذِيراً على الحال من ضمير إِنَّها ، أي إنها لعظمى العظائم في حال إنذارها للبشر وكفى بها نذيرا . والنذير : المنذر ، وأصله وصف بالمصدر لأن نَذِيراً جاء في المصادر كما جاء النكير ، والمصدر إذا وصف به أو أخبر به يلزم الإفراد والتذكير ، وقد كثر الوصف ب ( النذير ) حتى صار بمنزلة الاسم للمنذر . وقوله : لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ بدل مفصل من مجمل من قوله لِلْبَشَرِ ، وأعيد حرف الجر مع البدل للتأكيد كقوله تعالى : قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ [ الأعراف : 75 ] ، وقوله : إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [ التكوير : 27 ، 28 ] وقوله تعالى : تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا [ المائدة : 114 ] . والمعنى : إنها نذير لمن شاء أن يتقدم إلى الإيمان والخير لينتذر بها ، ولمن شاء أن يتأخر عن الإيمان والخير فلا يرعوي بنذارتها لأن التقدّم مشي إلى جهة الإمام فكأنّ المخاطب يمشي إلى جهة الداعي إلى الإيمان وهو كناية عن قبول ما يدعو