الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
295
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمرض في القلوب : هو سوء النية في القرآن والرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وهؤلاء هم الذين لم يزالوا في تردد بين أن يسلموا وأن يبقوا على الشرك مثل الأخنس بن شريق والوليد بن المغيرة ، وليس المراد بالذين في قلوبهم مرض المنافقون لأن المنافقين ما ظهروا إلّا في المدينة بعد الهجرة والآية مكية . و ما ذا أَرادَ اللَّهُ استفهام إنكاري فإن ( ما ) استفهامية ، و ( ذا ) أصله اسم إشارة فإذا وقع بعد ( ما ) أو ( من ) الاستفهاميتين أفاد معنى الذي ، فيكون تقديره : ما الأمر الذي أراده اللّه بهذا الكلام في حال أنه مثل ، والمعنى : لم يرد اللّه هذا العدد الممثل به ، وقد كنّي بنفي إرادة اللّه العدد عن إنكار أن يكون اللّه قال ذلك ، والمعنى : لم يرد اللّه العدد الممثل به فكنّوا بنفي إرادة اللّه وصف هذا العدد عن تكذيبهم أن يكون هذا العدد موافقا للواقع لأنهم ينفون فائدته ، وإنما أرادوا تكذيب أن يكون هذا وحيا من عند اللّه . والإشارة بهذا إلى قوله : عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ [ المدثر : 30 ] . و مَثَلًا منصوب على الحال من هذا ، والمثل : الوصف ، أي بهذا العدد وهو تسعة عشر ، أي ما الفائدة في هذا العدد دون غيره مثل عشرين . والمثل : وصف الحالة العجيبة ، أي ما وصفه من عدد خزنة النار كقوله تعالى : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [ محمد : 15 ] الآية . وتقدم نظير هذا عند قوله تعالى : وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا في سورة البقرة [ 26 ] . كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ . اسم الإشارة عائد إلى ما تضمنه الكلام المتقدم من قوله : لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إلى قوله : مَثَلًا بتأويل ما تضمنه الكلام ، بالمذكور ، أي مثل ذلك الضلال الحاصل للذين في قلوبهم مرض وللكافرين ، والحاصل للذين أوتوا الكتاب بعد أن استيقنوا فلم يؤمنوا يضل اللّه من يشاء أن يضله من عباده ، ومثل ذلك الهدى الذي اهتداه المؤمنون فزادهم إيمانا مع إيمانهم يهدي اللّه من يشاء . والغرض من هذا التشبيه تقريب المعنى المعقول وهو تصرف اللّه تعالى بخلق أسباب الأحوال العارضة للبشر ، إلى المعنى المحسوس المعروف في واقعة الحال ، تعليما