الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
296
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
للمسلمين وتنبيها للنّظر في تحصيل ما ينفع نفوسهم . ووجه الشبه هو السببية في اهتداء من يهتدي وضلال من يضل ، في أن كلّا من المشبّه والمشبه به جعله اللّه سببا وإرادة لحكمة اقتضاها علمه تعالى فتفاوت الناس في مدى إفهامهم فيه بين مهتد ومرتاب مختلف المرتبة في ريبه ، ومكابر كافر وسيّئ فهم كافر . وهذه كلمة عظيمة في اختلاف تلقي العقول للحقائق وانتفاعهم بها أو ضده بحسب اختلاف قرائحهم وفهومهم وتراكيب جبلاتهم المتسلسلة من صواب إلى مثله ، أو من تردد واضطراب إلى مثله ، أو من حنق وعناد إلى مثله ، فانطوى التشبيه من قوله : كَذلِكَ على أحوال وصور كثيرة تظهر في الخارج . وإسناد الإضلال إلى اللّه تعالى باعتبار أنه موجد الأسباب الأصلية في الجبلات ، واقتباس الأهواء وارتباط أحوال العالم بعضها ببعض ، ودعوة الأنبياء والصلحاء إلى الخير ، ومقاومة أئمة الضلال لتلك الدعوات . تلك الأسباب التي أدت بالضالين إلى ضلالهم وبالمهتدين إلى هداهم . وكلّ من خلق اللّه . فما على الأنفس المريدة الخير والنجاة إلّا التعرض لأحد المهيعين بعد التجرد والتدبر لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [ البقرة : 286 ] . ومشيئة اللّه ذلك تعلق علمه بسلوك المهتدين والضالّين . ومحل كَذلِكَ نصب بالنيابة عن المفعول المطلق لأن الجار والمجرور هنا صفة لمصدر محذوف دلّت عليه الصفة ، والتقدير : يضل اللّه من يشاء ويهدي من يشاء إضلالا وهديا كذلك الإضلال والهدي . وليس هذا من قبيل قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [ البقرة : 143 ] . وقدم وصف المفعول المطلق للاهتمام بهذا التشبيه لما يرشد إليه من تفصيل عند التدبر فيه ، وحصل من تقديمه محسّن الجمع ثم التقسيم إذ جاء تقسيمه بقوله يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ . وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ . كلمة جامعة لإبطال التخرصات التي يتخرصها الضالون ومرضى القلوب عند سماع