الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
289
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ المدثر : 18 ] إلى آخر الآيات فذكر وعيده بعذاب الآخرة . ويجوز أن تكون بدلا من جملة سأرهق صعورا « 1 » . والإصلاء : جعل الشيء صاليا ، أي مباشرا حرّ النار . وفعل صلي يطلق على إحساس حرارة النار ، فيكون لأجل التدفّي كقول الحارث بن حلزة : فتنورت نارها من بعيد * بخزازى أيّان منك الصلاء أي أنت بعيد من التدفي بها وكما قال حميد بن ثور : لا تصطلي النار إلّا مجمرا أرجا * قد كسّرت من يلنجوج له وقصا ويطلق على الاحتراق بالنار قال تعالى : سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ في سورة أبي لهب [ 3 ] وقال : فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى في سورة الليل [ 14 ، 15 ] ، وقال : وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً في سورة النساء [ 10 ] ، والأكثر إذا ذكر لفعل هذه المادة مفعول ثان من أسماء النار أن يكون الفعل بمعنى الإحراق كقوله تعالى : فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً في سورة النساء [ 30 ] . ومنه قوله هنا سَأُصْلِيهِ سَقَرَ . وسقر : علم لطبقة من جهنم ، عن ابن عباس : أنه الطبق السّادس من جهنم . قال ابن عطية : سقر هو الدرك السادس من جهنم على ما روي ا ه . واقتصر عليه ابن عطية . وجرى كلام جمهور المفسرين بما يقتضي أنهم يفسّرون سقر بما يرادف جهنم . وسقر ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث لأنه اسم بقعة من جهنم أو اسم جهنم وقد جرى ضمير سقر على التأنيث في قوله تعالى : لا تُبْقِي إلى قوله : عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ . وقيل سقر معرّب نقله في « الإتقان » عن الجواليقي ولم يذكر الكلمة المعرّبة ولا من أية لغة هو . و ما أَدْراكَ ما سَقَرُ جملة حالية من سَقَرَ ، أي سقر التي حالها لا ينبئك به منبئ وهذا تهويل لحالها . و ما سَقَرُ في محل مبتدإ وأصله سقر ما ، أي ما هي ، فقدّم ما لأنه اسم استفهام وله الصدارة . فإن ما الأولى استفهامية . والمعنى : أيّ شيء يدريك ، أي يعلمك .
--> ( 1 ) في المطبوعة : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ والمثبت من « الكشاف » ( 4 / 183 ) ط . دار الفكر .