الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

290

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و ما الثانية استفهامية في محل رفع خبر عن سَقَرُ . وجملة لا تُبْقِي بدل اشتمال من التهويل الذي أفادته جملة وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ ، فإن من أهوالها أنها تهلك كل من يصلاها . والجملة خبر ثان عن سقر . وحذف مفعول تُبْقِي لقصد العموم ، أي لا تبقي منهم أحدا أو لا تبقي من أجزائهم شيئا . وجملة وَلا تَذَرُ عطف على لا تُبْقِي فهي في معنى الحال ، ومعنى لا تَذَرُ ، أي لا تترك من يلقى فيها ، أي لا تتركه غير مصلي بعذابها . وهذه كناية عن إعادة حياته بعد إهلاكه كما قال تعالى : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ [ النساء : 56 ] . و لَوَّاحَةٌ : خبر ثالث عن سَقَرُ . و لَوَّاحَةٌ فعّالة ، من اللّوح وهو تغيير الذات من ألم ونحوه ، وقال الشاعر ، وهو من شواهد « الكشاف » ولم أقف على قائله : تقول ما لأحك يا مسافر * يا ابنة عمي لا حني الهواجر والبشر : يكون جمع بشرة ، وهي جلد الإنسان ، أي تغير ألوان الجلود فتجعلها سودا ، ويكون اسم جمع للناس لا واحد له من لفظه . وقوله : عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ خبر رابع عن سَقَرُ من قوله : وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ . ومعنى عَلَيْها على حراستها ، ف ( على ) للاستعلاء المجازي بتشبيه التصرف والولاية بالاستعلاء كما يقال : فلان على الشرطة ، أو على بيت المال ، أي يلي ذلك والمعنى : أن خزنة سقر تسعة عشر ملكا . وقال جمع : إن عدد تسعة عشر : هم نقباء الملائكة الموكلين بجهنم . وقيل : تسعة عشر صنفا من الملائكة وقيل تسعة عشر صفّا . وفي « تفسير الفخر » : ذكر أرباب المعاني في تقدير هذا العدد وجوها : أحدها قول أهل الحكمة : إن سبب فساد النفس هو القوى الحيوانية والطبيعية أما الحيوانية فهي الخمس الظاهرة والخمس الباطنة ، والشهوة والغضب ، فمجموعها اثنتا عشرة . وأما القوى الطبيعية فهي : الجاذبة ، والماسكة ، والهاضمة ، والدافعة ، والغاذية ، والنامية ، والمولّدة ، فهذه سبعة ، فتلك تسع عشرة . فلما كان منشأ الآفات هو هذه التسع عشرة كان عدد الزبانية كذلك ا ه . والذي أراه أن الملائكة التسعة عشر موزّعون على دركات سقر أو جهنم لكل درك