الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

282

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و عن أبي نصر القشيري أنه قال : قيل بلغ النبي صلى اللّه عليه وسلم قول كفار مكة : أنت ساحر فوجد من ذلك غمّا وحمّ فتدثر بثيابه فقال اللّه تعالى : قُمْ فَأَنْذِرْ [ المدثر : 2 ] . وأيّاما كان فقد وقع الاتفاق على أن هذا القول صدر عن الوليد بن المغيرة وأنه المعنيّ بقوله تعالى : وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً فإن كان قول الوليد صدر منه بعد نزول صدر هذه السورة فجملة ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً مستأنفة استئنافا ابتدائيا والمناسبة ظاهرة ، وإن كان قول الوليد هو سبب نزول السورة ، كان متصلا بقوله : وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [ المدثر : 7 ] على أنه تعليل للأمر بالصبر بأن اللّه يتولى جزاء هذا القائل ، وما بينهما اعتراض ، ويؤيد هذا أن ابتداء الوحي كان في رمضان وأن فترة الوحي دامت أربعين يوما على الأصح سواء نزل وحي بين يدء الوحي وفترته مدة أيام ، أو لم ينزل بعد بدئه شيء ووقعت فترته ، فيكون قد أشرف شهر ذي القعدة على الانصرام فتلك مدة اقتراب الموسم فأخذ المشركون في الاستعداد لما يقولونه للوفود إذا استخبروهم خبر النبي صلى اللّه عليه وسلم . وتصدير الجملة بفعل ذَرْنِي إيماء إلى أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم كان مهتما ومغتما مما اختلقه الوليد بن المغيرة ، فاتصاله بقوله : وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ يزداد وضوحا . وتقدم ما في نحو ذَرْنِي وكذا ، من التهديد والوعيد للمذكور بعد واو المعية ، في تفسير قوله تعالى : فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ في سورة القلم [ 44 ] . وجيء بالموصول وصلته في قوله : وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً لإدماج تسجيل كفران الوليد النعمة في الوعيد والتهديد . وانتصب وَحِيداً على الحال من مَنْ الموصولة . والوحيد : المنفرد عن غيره في مكان أو حال مما يدل عليه سياق الكلام ، أو شهرة أو قصة ، وهو فعيل من وحد من باب كرم وعلم ، إذا انفرد . وكان الوليد بن المغيرة يلقب في قريش بالوحيد لتوحده وتفرده باجتماع مزايا له لم تجتمع لغيره من طبقته وهي كثرة الولد وسعة المال ، ومجده ومجد أبيه من قبله ، وكان مرجع قريش في أمورهم لأنه كان أسنّ من أبي جهل وأبي سفيان ، فلما اشتهر بلقب الوحيد كان هذا الكلام إيماء إلى الوليد بن المغيرة المشتهر به . وجاء هذا الوصف بعد فعل خَلَقْتُ ، ليصرف هذا الوصف عما كان مرادا به فينصرف إلى ما يصلح لأن يقارن فعل خَلَقْتُ أي أوجدته وحيدا عن المال والبنين والبسطة ، فيغيّر عن غرض المدح