الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
283
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والثناء الذي كانوا يخصونه به ، إلى غرض الافتقار إلى اللّه الذي هو حال كل مخلوق فتكون من قبيل قوله : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً [ النحل : 78 ] الآية . وعطف على ذلك وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا عطف الخاص على العام . والممدود : اسم مفعول من مدّ الذي بمعنى : أطال ، بأن شبهت كثرة المال بسعة مساحة الجسم ، أو من مدّ الذي بمعنى : زاد في الشيء من مثله ، كما يقال : مد الوادي النهر ، أي مالا مزيدا في مقداره ما يكتسبه صاحبه من المكاسب . وكان الوليد من أوسع قريش ثراء . وعن ابن عباس : كان مال الوليد بين مكة والطائف من الإبل والغنم والعبيد والجواري والجنان وكانت غلة ماله ألف دينار ( أي في السنة ) . وامتنّ اللّه عليه بنعمة البنين ووصفهم بشهود جمع شاهد ، أي حاضر ، أي لا يفارقونه فهو مستأنس بهم لا يشتغل باله بمغيبهم وخوف معاطب السفر عليهم فكانوا بغنى عن طلب الرزق بتجارة أو غارة ، وكانوا يشهدون معه المحافل فكانوا فخرا له ، قيل : كان له عشرة بنين وقيل ثلاثة عشر ابنا ، والمذكور منهم سبعة ، وهم : الوليد بن الوليد ، وخالد ، وعمارة ، وهشام ، والعاصي ، وقيس أو أبو قيس ، وعبد شمس ( وبه يكنى ) . ولم يذكر ابن حزم في « جمهرة الأنساب » : العاصي . واقتصر على ستة . والتمهيد : مصدر مهّد بتشديد الهاء الدال على قوة المهد . والمهد : تسوية الأرض وإزالة ما يقضّ جنب المضطجع عليها ، ومهد الصبي تسمية بالمصدر . والتمهيد هنا مستعار لتيسير أموره ونفاذ كلمته في قومه بحيث لا يعسر عليه مطلب ولا يستعصي عليه أمر . وأكد مَهَّدْتُ بمصدره على المفعولية المطلقة ليتوسل بتنكيره لإفادة تعظيم ذلك التمهيد وليس يطرد أن يكون التأكيد لرفع احتمال المجاز . ووصف في هذه الآية بما له من النعمة والسعة لأن الآية في سياق الامتنان عليه توطئة لتوبيخه وتهديده بسوء في الدنيا وبعذاب النار في الآخرة ، فأما في آية سورة القلم فقد وصفه بما فيه من النقائص في قوله تعالى : وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ [ القلم : 10 ] إلخ بناء على قول من قال : إن المراد به الوليد بن المغيرة ( وقد علمت أنه احتمال ) لأن تلك الآية في مقام التحذير من شره وغدره . و ثُمَّ في قوله : ثُمَّ يَطْمَعُ للتراخي الرتبي ، أي وأعظم من ذلك أنه يطمع في