الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
279
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
سورة الطور [ 48 ] وقوله : فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً في سورة الإنسان [ 24 ] فيناسب نداءه ب يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [ المدثر : 1 ] لأنه تدثر من شدة وقع رؤية الملك ، وترك ذكر المضاف لتذهب النفس إلى كل ما هو من شأن المضاف إليه مما يتعلق بالمخاطب . ويجوز أن تكون اللام للتعليل ، وحذف متعلق فعل الصبر ، أي اصبر لأجل ربّك على كل ما يشق عليك . وتقديم لِرَبِّكَ على « ( اصبر ) للاهتمام بالأمور التي يصبر لأجلها مع الرعاية على الفاصلة ، وجعل بعضهم اللام في لِرَبِّكَ لام التعليل ، أي اصبر على أذاهم لأجله ، فيكون في معنى : إنه يصبر توكلا على أن اللّه يتولى جزاءهم ، وهذا مبني على أن سبب نزول السورة ما لحق النبي صلى اللّه عليه وسلم من أذى المشركين . والصبر تقدم عند قوله تعالى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ في [ البقرة : 45 ] . وفي التعبير عن اللّه بوصف ( ربّك ) إيماء إلى أن هذا الصبر برّ بالمولى وطاعة له . فهذه ست وصايا أوصى اللّه بها رسوله صلى اللّه عليه وسلم في مبدأ رسالته وهي من جوامع القرآن أراد اللّه بها تزكية رسوله وجعلها قدوة لأمته . [ 8 - 10 ] [ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 8 إلى 10 ] فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ( 8 ) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ( 9 ) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ( 10 ) الفاء لتسبب هذا الوعيد عن الأمر بالإنذار في قوله فَأَنْذِرْ [ المدثر : 2 ] ، أي فأنذر المنذرين وأنذرهم وقت النقر في الناقور وما يقع يومئذ بالذين أنذروا فأعرضوا عن التذكرة ، إذ الفاء يجب أن تكون مرتبطة بالكلام الذي قبلها . ويجوز أن يكون معطوفا على فَاصْبِرْ [ المدثر : 7 ] بناء على أنه أمر بالصبر على أذى المشركين . و النَّاقُورِ : البوق الذي ينادى به الجيش ويسمى الصّور وهو قرن كبير ، أو شبهه ينفخ فيه النافخ لنداء ناس يجتمعون إليه من جيش ونحوه ، قال خفّاف بن ندبة : إذا ناقورهم يوما تبدّى * أجاب الناس من غرب وشرق ووزنه فاعول وهو زنة لما يقع به الفعل من النقر وهو صوت اللسان مثل الصفير