الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

280

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فقوله نقر ، أي صوّت ، أي صوّت مصوّت . وتقدم ذكر الصور في سورة الحاقة . و ( إذا ) اسم زمان أضيف إلى جملة نُقِرَ فِي النَّاقُورِ وهو ظرف وعامله ما دل عليه قوله : فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ لأنه في قوة فعل ، أي عسر الأمر على الكافرين . وفاء فَذلِكَ لجزاء ( إذا ) لأن ( إذا ) يتضمن معنى شرط . والإشارة إلى مدلول ( إذا نقر ) ، أي فلذلك الوقت يوم عسير . و يَوْمَئِذٍ بدل من اسم الإشارة وقع لبيان اسم الإشارة على نحو ما يبين بالاسم المعروف ب « أل » في نحو ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [ البقرة : 2 ] . ووصف اليوم بالعسير باعتبار ما يحصل فيه من العسر على الحاضرين فيه ، فهو وصف مجازي عقلي . وإنما العسير ما يقع فيه من الأحداث . و عَلَى الْكافِرِينَ متعلق ب عَسِيرٌ . ووصف اليوم ونحوه من أسماء الزمان بصفات أحداثه مشهور في كلامهم ، قال السموأل ، أو الحارثي : وأيّامنا مشهورة في عدوّنا * لها غرر معلومة وحجول وإنما الغرر والحجول مستعارة لصفات لقائهم العدوّ في أيامهم ، وفي المقامة الثلاثين « لا عقد هذا العقد المبجّل ، في هذا اليوم الأغر المحجل ، إلّا الذي جال وجاب ، وشب في الكدية وشاب » وقال تعالى : فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ في سورة فصلت [ 16 ] . و غَيْرُ يَسِيرٍ تأكيد لمعنى عَسِيرٌ بمرادفه . وهذا من غرائب الاستعمال كما يقال : عاجلا غير آجل ، قال طالب بن أبي طالب : فليكن المغلوب غير الغالب * وليكن المسلوب غير السّالب وعليه من غير التأكيد قوله تعالى : قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ [ الأنعام : 140 ] قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [ الأنعام : 56 ] . وأشار الزمخشري إلى أن فائدة هذا التأكيد ما يشعر به لفظ غَيْرُ من المغايرة فيكون تعريضا بأن له حالة أخرى ، وهي اليسر ، أي على المؤمنين ، ليجمع بين وعيد الكافرين وإغاظتهم ، وبشارة المؤمنين .