الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
278
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الأمر بالصدقة والإكثار منها بطريق الكناية فكأنه قال : وتصدق وأكثر من الصدقة ولا تمنن ، أي لا تعدّ ما أعطيته كثيرا فتمسك عن الازدياد فيه ، أو تتطرق إليك ندامة على ما أعطيت . والسين والتاء في قوله : تَسْتَكْثِرُ للعدّ ، أي بعد ما أعطيته كثيرا . وهذا من بديع التأكيد لحصول المأمور به جعلت الصدقة كالحاصلة ، أي لأنها من خلقه صلى اللّه عليه وسلم إذ كان أجود الناس وقد عرف بذلك من قبل رسالته لأن اللّه هيأه لمكارم الأخلاق فقد قالت له خديجة في حديث بدء الوحي « إنك تحمل الكل وتكسب المعدوم » . ففي هذه الآية إيماء إلى التصدق ، كما كان فيها إيماء إلى الصلاة ، ومن عادة القرآن الجمع بين الصلاة والزكاة . والمنّ : تذكير المنعم المنعم عليه بإنعامه . والاستكثار : عدّ الشيء كثيرا ، أي لا تستعظم ما تعطيه . وهذا النهي يفيد تعميم كل استكثار كيفما كان ما يعطيه من الكثرة . وللأسبقين من المفسرين تفسيرات لمعنى وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ليس شيء منها بمناسب ، وقد أنهاها القرطبي إلى أحد عشر . و تَسْتَكْثِرُ جملة في موضع الحال من ضمير تَمْنُنْ وهي حال مقدرة . [ 7 ] [ سورة المدثر ( 74 ) : آية 7 ] وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ( 7 ) تثبيت للنبي صلى اللّه عليه وسلم على تحمل ما يلقاه من أذى المشركين وعلى مشاقّ الدعوة . والصبر : ثبات النفس وتحملها المشاق والآلام ونحوها . ومصدر الصبر وما يشتق منه يتضمن معنى التحمّل للشيء الشاقّ . ويعدّى فعل الصبر إلى اسم الذي يتحمله الصابر بحرف ( على ) ، يقال : صبر على الأذى . ويتضمن معنى الخضوع للشيء الشاق فيعدى إلى اسم ما يتحمله الصابر باللام . ومناسبة المقام ترجح إحدى التعديتين ، فلا يقال : اصبر على اللّه ، ويقال : اصبر على حكم اللّه ، أو لحكم اللّه . فيجوز أن تكون اللام في قوله لِرَبِّكَ لتعدية فعل الصبر على تقدير مضاف ، أي اصبر لأمره وتكاليف وحيه كما قال : وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا في