الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

276

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فمعنى وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ : صف ربّك بصفات التعظيم ، وهذا يشمل تنزيهه عن النقائص فيشمل توحيده بالإلهية وتنزيهه عن الولد ، ويشمل وصفه بصفات الكمال كلها . ومعنى ( كبّر ) : كبره في اعتقادك : وكبره بقولك تسبيحا وتعليما . ويشمل هذا المعنى أن يقول : « اللّه أكبر » لأنه إذا قال هذه الكلمة أفاد وصف اللّه بأنه أكبر من كل كبير ، أي أجلّ وأنزه من كل جليل ، ولذلك جعلت هذه الكلمة افتتاحا للصلاة . وأحسب أن في ذكر التكبير إيماء إلى شرع الصلاة التي أولها التكبير وخاصة اقترانه بقوله : وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ [ المدثر : 4 ] فإنه إيماء إلى شرع الطهارة ، فلعل ذلك إعداد لشرع الصلاة . ووقع في رواية معمر عن الزهري عند مسلم أن قال : وذلك قبل أن تفرض الصلاة . فالظاهر أن اللّه فرض عليه الصلاة عقب هذه السورة وهي غير الصلوات الخمس فقد ثبت أنه صلى في المسجد الحرام . [ 4 ] [ سورة المدثر ( 74 ) : آية 4 ] وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ( 4 ) هو في النظم مثل نظم وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [ المدثر : 3 ] أي لا تترك تطهير ثيابك . وللثياب إطلاق صريح وهو ما يلبسه اللابس ، وإطلاق كنائي فيكنى بالثياب عن ذات صاحبها ، كقول عنترة : فشككت بالرمح الأصم ثيابه كناية عن طعنه بالرمح . وللتطهير إطلاق حقيقي وهو التنظيف وإزالة النجاسات وإطلاق مجازي وهو التزكية قال تعالى : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [ الأحزاب : 33 ] . والمعنيان صالحان في الآية فتحمل عليهما معا فتحصل أربعة معان لأنه مأمور بالطهارة الحقيقية لثيابه إبطالا لما كان عليه أهل الجاهلية من عدم الاكتراث بذلك . وقد وردت أحاديث في ذلك يقوّي بعضها بعضا وأقواها ما رواه الترمذي « إن اللّه نظيف يحب النظافة » . وقال : هو غريب . والطهارة لجسده بالأولى .