الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
24
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ بيان لجملة سَأَلَهُمْ كقوله : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ [ طه : 120 ] . والاستفهام في أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ للتوبيخ والتنديم ليزيدهم حسرة . والنذير : المنذر ، أي رسول منذر بعقاب اللّه وهو مصوغ على غير قياس كما صيغ بمعنى المسمع السميع في قول عمرو بن معد يكرب : أمن ريحانة الداعي السميع والمراد أفواج أهل النار من جميع الأمم التي أرسلت إليهم الرسل فتكون جملة : كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ إلخ بمعنى التذييل . وجملة : قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ معترضة بين كلام خزنة جهنم اعتراضا يشير إلى أن الفوج قاطع كلام الخزنة بتعجيل الاعتراف بما وبّخوهم عليه وذلك من شدة الخوف . وفصلت الجملة لوجهين لأنها اعتراض ، ولوقوعها في سياق المحاورة كما تقدم غير مرة كقوله تعالى : قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها في سورة البقرة [ 30 ] . وكان جوابهم جواب المتحسر المتندم ، فابتدءوا الجواب دفعة بحرف بَلى المفيد نقيض النفي في الاستفهام ، فهو مفيد معنى : جاءنا نذير . ولذلك كان قولهم : قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ مؤكدا لما دلت عليه بَلى ، وهو من تكرير الكلام عند التحسر ، مع زيادة التحقيق ب قَدْ ، وذلك التأكيد هو مناط الندامة والاعتراف بالخطإ . وجملة : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ الأظهر أنها بقية كلام خزنة جهنم فصل بينهما وبين ما سبقها من كلامهم اعتراض جواب الفوج الموجه إليهم الاستفهام التوبيخي كما ذكرناه آنفا ، ويؤيد هذا إعادة فعل القول في حكاية بقية كلام الفوج في قوله تعالى : وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ [ الملك : 10 ] إلخ لانقطاعه بالاعتراض الواقع خلال حكايته . ويجوز أن تكون جملة إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ من تمام كلام كل فوج لنذيرهم . وأتي بضمير جمع المخاطبين مع أن لكل قوم رسولا واحدا في الغالب باستثناء موسى وهارون وباستثناء رسل أصحاب القرية المذكورة في سورة يس ؛ إما على اعتبار الحكاية بالمعنى بأن جمع كلام جميع الأفواج في عبارة واحدة فجيء بضمير الجمع والمراد التوزيع على الأفواج ، أي قال جميع الأفواج : بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ إلى قوله : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ، على طريقة المثال المشهور : « ركب القوم دوابهم » ، وإما