الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
25
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
على إرادة شمول الضمير للنذير وأتباعه الذين يؤمنون بما جاء به . وعموم شَيْءٍ في قوله : ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ المراد منه شيء من التنزيل ، يدل على أنهم كانوا يحيلون أن ينزل اللّه وحيا على بشر ، وهذه شنشنة أهل الكفر قال تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ وقد تقدم في آخر [ الأنعام : 91 ] . ووصف الضلال ب كَبِيرٍ معناه شديد بالغ غاية ما يبلغ إليه جنسه حتى كأنه جسم كبير . ومعنى القصر المستفاد من النفي والاستثناء في إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ قصر قلب ، أي ما حالكم التي أنتم متلبسون بها إلّا الضلال ، وليس الوحي الإلهي والهدى كما تزعمون . والظرفية مجازية لتشبيههم تمحّضهم للضلال بإحاطة الظرف بالمظروف . [ 10 ] [ سورة الملك ( 67 ) : آية 10 ] وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ ( 10 ) أعيد فعل القول للإشارة إلى أن هذا كلام آخر غير الذي وقع جوابا عن سؤال خزنة جهنم وإنما هذا قول قالوه في مجامعهم في النار تحسرا وتندما ، أي وقال بعضهم لبعض في النار فهو من قبيل قوله تعالى : حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا [ الأعراف : 38 ] إلخ . لتأكيد الإخبار على حسب الوجهين المتقدمين في موقع جملة إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ [ الملك : 9 ] . وذكروا ما يدل على انتفاء السمع والعقل عنهم في الدنيا ، وهم يريدون سمعا خاصا وعقلا خاصا ، فانتفاء السمع بإعراضهم عن تلقي دعوة الرسل مثل ما حكى اللّه عن المشركين وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ [ فصلت : 26 ] وانتفاء العقل بترك التدبر في آيات الرسل ودلائل صدقهم فيما يدعون إليه . ولا شك في أن أقل الناس عقلا المشركون لأنهم طرحوا ما هو سبب نجاتهم لغير معارض يعارضه في دينهم ، إذ ليس في دين أهل الشرك وعيد على ما يخالف الشرك من معتقدات ، ولا على ما يخالف أعمال أهله من الأعمال ، فكان حكم العقل قاضيا بأن يتلقوا ما يدعوهم إليه الرسل من الإنذار بالامتثال إذ لا معارض له في دينهم لولا الإلف