الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

231

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بما سيحدث أو اطلاع على ضمائر بعض الناس . فقوله : ارْتَضى مستثنى من عموم أَحَداً . والتقدير : إلّا أحدا ارتضاه ، أي اختاره للاطلاع على شيء من الغيب لحكمة أرادها اللّه تعالى . والإتيان بالموصول والصلة في قوله : إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ لقصد ما تؤذن به الصلة من الإيماء إلى تعليل الخبر ، أي يطلع اللّه بعض رسله لأجل ما أراده اللّه من الرسالة إلى النّاس ، فيعلم من هذا الإيمان أن الغيب الذي يطلع اللّه عليه الرسل هو من نوع ما له تعلق بالرسالة ، وهو غيب ما أراد اللّه إبلاغه إلى الخلق أن يعتقدوه أو أن يفعلوه ، وما له تعلق بذلك من الوعد والوعيد من أمور الآخرة ، أو أمور الدنيا ، وما يؤيد به الرسل عن الإخبار بأمور مغيبة كقوله تعالى : غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ [ الروم [ 2 - 4 ] . والمراد بهذا الاطلاع المحقق المفيد علما كعلم المشاهدة . فلا تشمل الآية ما قد يحصل لبعض الصالحين من شرح صدر بالرؤيا الصادقة ، ففي الحديث : « الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوءة ، أو بالإلهام » . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « قد كان يكون في الأمم قبلكم محدّثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم » رواه مسلم . قال مسلم : قال ابن وهب : تفسير محدثون : ملهمون . وقد قال مالك في الرؤيا الحسنة : أنها تسرّ ولا تغرّ ، يريد لأنها قد يقع الخطأ في تأويلها . و مِنْ رَسُولٍ بيان لإبهام مَنِ الموصولة ، فدل على أن ما صدق مَنِ جماعة من الرسل ، أي إلّا الرسل الذين ارتضاهم ، أي اصطفاهم . وشمل رَسُولٍ كلّ مرسل من اللّه تعالى فيشمل الملائكة المرسلين إلى الرسل بإبلاغ وحي إليهم مثل جبريل عليه السلام . وشمل الرسل من البشر المرسلين إلى الناس بإبلاغ أمر اللّه تعالى إليهم من شريعة أو غيرها مما به صلاحهم . وهنا أربعة ضمائر غيبة : الأول ضمير فَإِنَّهُ وهو عائد إلى اللّه تعالى . والثاني الضمير المستتر في يَسْلُكُ وهو لا محالة عائد إلى اللّه تعالى كما عاد إليه