الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

232

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ضمير فَإِنَّهُ . والثالث والرابع ضميرا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ، وهما عائدان إلى رَسُولٍ أي فإن اللّه يسلك أي يرسل للرسول رصدا من بين يدي الرسول صلى اللّه عليه وسلم ومن خلفه رصدا ، أي ملائكة يحفظون الرسول صلى اللّه عليه وسلم من إلقاء الشياطين إليه ما يخلط عليه ما أطلعه اللّه عليه من غيبه . والسّلك حقيقته : الإدخال كما في قوله تعالى : كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ في سورة الحجر [ 12 ] . وأطلق السّلك على الإيصال المباشر تشبيها له بالدخول في الشيء بحيث لا مصرف له عنه كما تقدم آنفا في قوله : وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً [ الجن : 17 ] أي يرسل إليه ملائكة متجهين إليه لا يبتعدون عنه حتى يبلغ إليه ما أوحي إليه من الغيب ، كأنّهم شبه اتصالهم به وحراستهم إياه بشيء داخل في أجزاء جسم . وهذا من جملة الحفظ الذي حفظ اللّه به ذكره في قوله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ الحجر : 9 ] . والمراد ب مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ الكناية عن جميع الجهات ، ومن تلك الكناية ينتقل إلى كناية أخرى عن السلامة من التغيير والتحريف . والرصد : اسم جمع كما تقدم آنفا في قوله : يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً [ الجن : 9 ] . وانتصب رَصَداً على أنه مفعول به لفعل يَسْلُكُ . ويتعلق لِيَعْلَمَ بقوله : يَسْلُكُ ، أي يفعل اللّه ذلك ليبلّغ الغيب إلى الرسول كما أرسل إليه لا يخالطه شيء مما يلبس عليه الوحي فيعلم اللّه أن الرسل أبلغوا ما أوحي إليه كما بعثه دون تغيير ، فلما كان علم اللّه بتبليغ الرسول الوحي مفرعا ومسببا عن تبليغ الوحي كما أنزل اللّه ، جعل المسبب علّة وأقيم مقام السّبب إيجازا في الكلام لأن علم اللّه بذلك لا يكون إلّا على وفق ما وقع ، وهذا كقول إياس بن قبيصة : وأقبلت والخطّيّ يخطر بيننا * لأعلم من جبانها من شجاعها أي ليظهر من هو شجاع ومن هو جبان فأعلم ذلك . وهذه العلة هي المقصد الأهم من اطلاع من ارتضى من رسول على الغيب ، وذكر هذه العلة لا يقتضي انحصار علل الاطلاع فيها . وجيء بضمير الإفراد في قوله : مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ مراعاة للفظ رَسُولٍ ،