الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
230
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً في موضع العلة لجملة إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ الآية . و عالِمُ الْغَيْبِ : خبر مبتدأ محذوف ، أي هو عالم الغيب والضمير المحذوف عائد إلى قوله رَبِّي . وهذا الحذف من قبيل حذف المسند إليه حذفا اتّبع فيه الاستعمال إذا كان الكلام قد اشتمل على ذكر المسند إليه وصفاته كما نبه عليه السكاكي في « المفتاح » . و الْغَيْبِ : مصدر غاب إذا استتر وخفي عن الأنظار وتعريفه تعريف الجنس . وإضافة صفة عالِمُ إلى الْغَيْبِ تفيد العلم بكل الحقائق المغيبة سواء كانت ماهيات أو أفرادا فيشمل المعنى المصدري للغيب مثل علم اللّه بذاته وصفاته ، ويشمل الأمور الغائبة بذاتها مثل الملائكة والجن . ويشمل الذوات المغيبة عن علم الناس مثل الوقائع المستقبلة التي يخبر عنها أو التي لا يخبر عنها ، فإيثار المصدر هنا لأنه أشمل لإحاطة علم اللّه بجميع ذلك . وتقدم ذلك عند قوله تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ في سورة البقرة [ 3 ] . وتعريف المسند مع تعريف المسند إليه المقدر يفيد القصر ، أي هو عالم الغيب لا أنا . وفرع على معنى تخصيص اللّه تعالى بعلم الغيب جملة فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ، فالفاء لتفريع حكم على حكم والحكم المفرع إتمام للتعليل وتفصيل لأحوال عدم الاطلاع على غيبه . ومعنى فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً : لا يطلع ولا ينبئ به ، وهو أقوى من يطلع لأن يُظْهِرُ جاء من الظهور وهو المشاهدة ولتضمينه معنى : يطلع ، عدي بحرف عَلى . ووقوع الفعل في حيّز النفي يفيد العموم ، وكذلك وقوع مفعوله وهو نكرة في حيّزه يفيد العموم . وحرف عَلى مستعمل في التمكن من الاطلاع على الغيب وهو كقوله تعالى وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ [ التحريم : 3 ] فهو استعلاء مجازي . واستثنى من هذا النفي من ارتضاه ليطلعه على بعض الغيب ، أي على غيب أراد اللّه إظهاره من الوحي فإنه من غيب اللّه ، وكذلك ما أراد اللّه أن يؤيد به رسوله صلى اللّه عليه وسلم من إخبار