الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
23
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
في السماء . كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ . أتبع وصف ما يجده أهل النار عند إلقائهم فيها من فظائع أهوالها بوصف ما يتلقاهم به خزنة النار . فالجملة استئناف بياني أثاره وصف النار عند إلقاء أهل النار فيها إذ يتساءل السامع عن سبب وقوع أهل النار فيها فجاء بيانه بأنه تكذيبهم رسل اللّه الذين أرسلوا إليهم ، مع ما انضمّ إلى ذلك من وصف ندامة أهل النار على ما فرط منهم من تكذيب رسل اللّه وعلى إهمالهم النظر في دعوة الرسل والتدبر فيما جاءوهم به . و كُلَّما مركب من ( كل ) اسم دال على الشمول ومن ( ما ) الظرفية المصدرية وهي حرف يؤوّل مع الفعل الذي بعده بمصدره . والتقدير : في كل وقت إلقاء فوج يسألهم خزنتها الفوج . وباتصال ( كل ) بحرف ( ما ) المصدرية الظرفية اكتسب التركيب معنى الشرط وشابه أدوات الشرط في الاحتياج إلى جملتين مرتبة إحداهما على الأخرى . وجيء بفعلى أُلْقِيَ و سَأَلَهُمْ ماضيين لأن أكثر ما يقع الفعل بعد كُلَّما أن يكون بصيغة المضي لأنها لما شابهت الشرط استوى الماضي والمضارع معها لظهور أنه للزمن المستقبل فأوثر فعل المضي لأنه أخف . والفوج : الجماعة أي جماعة ممن حق عليهم الخلود ، وتقدم عند قوله تعالى : وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً في سورة النمل [ 83 ] . وجيء بالضمائر العائدة إلى الفوج ضمائر جمع في قوله : سَأَلَهُمْ إلخ . لتأويل الفوج بجماعة أفراده كما في قوله : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [ الحجرات : 9 ] . وخزنة النار : الملائكة الموكل إليهم أمر جهنم وهو جمع خازن للموكل بالحفظ وأصل الخازن : الذي يخزن شيئا ، أي يحفظه في مكان حصين ، فإطلاقه على الموكلين مجاز مرسل .