الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

229

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الاستقبال يصرف الفعل الماضي بعد إِذا إلى زمن الاستقبال . وجيء بالجملة المضاف إليها إِذا فعلا ماضيا للتنبيه على تحقيق وقوعه . وفعل سيعلمون معلق عن العمل بوقوع الاستفهام بعده وهو استعمال كثير في التعليق لأن الاستفهام بما فيه من الإبهام يكون كناية عن الغرابة بحيث يسأل الناس عن تعيين الشيء بعد البحث عنه . وضعف الناصر وهن لهم من جهة وهن أنصارهم ، وقلة العدد وهن لهم من جانب أنفسهم ، وهذا وعيد لهم بخيبة غرورهم بالأمن من غلب المسلمين في الدنيا فإنهم كانوا يقولون : نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ [ القمر : 44 ] . وقالوا : نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً [ سبأ : 35 ] . [ 25 - 28 ] [ سورة الجن ( 72 ) : الآيات 25 إلى 28 ] قُلْ إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً ( 25 ) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ( 27 ) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ( 28 ) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً ( 25 ) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ( 27 ) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ . كان المشركون يكثرون أن يسألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مَتى هذَا الْوَعْدُ [ النمل : 71 ] ، و عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها [ الأعراف : 187 ] ، وتكررت نسبة ذلك إليهم في القرآن ، فلما قال اللّه تعالى : حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً [ الجن : 24 ] الآية علم أنهم سيعيدون ما اعتادوا قوله من السؤال عن وقت حلول الوعيد فأمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يعيد عليهم ما سبق من جوابه . فجملة قُلْ إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ مستأنفة استئنافا بيانيا لأن القول المأمور بأن يقوله جواب لسؤالهم المقدر . والأمد : الغاية وأصله في الأمكنة . ومنه قول ابن عمر في حديث « الصحيحين » : « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سابق بين الخيل التي لم تضمّر وجعل أمدها ثنية الوداع » ( أي غاية المسابقة ) . ويستعار الأمد لمدة من الزمان معينة قال تعالى : فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ [ الحديد : 16 ] وهو كذلك هنا . ومقابلته ب « قريب » يفيد أن المعنى أم يجعل له أمدا بعيدا .