الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
215
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المعنى الأكمل وهي من قبيل قوله تعالى : وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [ الأحقاف : 9 ] . وليس المراد منها فيما نرى أنهم ينفون أن يعلموا ما ذا أراد اللّه بهذه الشهب ، فإن ذلك لا يناسب ما تقدم من أنهم آمنوا بالقرآن إذ قالوا : إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [ الجن : 1 ، 2 ] وقولهم : فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً [ الجن : 9 ] فذلك صريح في أنهم يدرون أن اللّه أراد بمن في الأرض خيرا بهذا الدّين وبصرف الجن عن استراق السمع . وتكرير ( إنّ ) واسمها للتأكيد لكون هذا الخبر معرضا لشك السامعين من الجن الذين لم يختبروا حراسة السماء . والرشد : إصابة المقصود النافع وهو وسيلة للخير ، فلهذا الاعتبار جعل مقابلا للشر وأسند فعل إرادة الشر إلى المجهول ولم يسند إلى اللّه تعالى مع أن مقابله أسند إليه بقوله : أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً ، جريا على واجب الأدب مع اللّه تعالى في تحاشي إسناد الشر إليه . [ 11 ] [ سورة الجن ( 72 ) : آية 11 ] وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً ( 11 ) قرأ الجمهور وأبو جعفر بكسر الهمزة . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وخلف بفتحها وهو من قول الجن . وقراءة فتح الهمزة عطف على المجرور بالباء ، أي آمنا بأنا منّا الصالحون ، أي أيقنّا بذلك وكنا في جهالة عن ذلك . ظهرت عليهم آثار التوفيق فعلموا أنهم أصبحوا فريقين فريق صالحون وفريق ليسوا بصالحين ، وهم يعنون بالصالحين أنفسهم وبمن دون الصلاح بقية نوعهم ، فلما قاموا مقام دعوة إخوانهم إلى اتباع طريق الخير لم يصارحوهم بنسبتهم إلى الإفساد بل ألهموا وقالوا منا الصالحون ، ثم تلطفوا فقالوا : ومنا دون ذلك ، الصادق بمراتب متفاوتة في الشر والفساد ليتطلب المخاطبون دلائل التمييز بين الفريقين ، على أنهم تركوا لهم احتمال أن يعنى بالصالحين الكاملون في الصلاح فيكون المعني بمن دون ذلك من هم دون مرتبة الكمال في الصلاح ، وهذا من بليغ العبارات في الدعوة والإرشاد إلى الخير . و دُونَ : اسم بمعنى ( تحت ) ، وهو ضد فوق ولذلك كثر نصبه على الظرفية