الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
216
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المكانية ، أي في مكان منحط عن الصالحين . والتقدير : ومنا فريق في مرتبة دونهم . وظرفية دُونَ مجازية . ووقع الظرف هنا ظرفا مستقرا في محل الصفة لموصوف محذوف تقديره : فريق ، كقوله تعالى : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ الصافات : 164 ] ويطّرد حذف الموصوف إذا كان بعض اسم مجرور بحرف ( من ) مقدم عليه وكانت الصفة ظرفا كما هنا ، أو جملة كقول العرب : منّا ظعن ومنّا أقام . وقوله : كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً تشبيه بليغ ، شبه تخالف الأحوال والعقائد بالطرائق تفضي كل واحدة منها إلى مكان لا تفضي إليه الأخرى . و طَرائِقَ : جمع طريقة ، والطريقة هي الطريق ، ولعلها تختص بالطريق الواسع الواضح لأنّ التاء للتأكيد مثل دار ودارة ، ومثل مقام ومقامة ، ولذلك شبه بها أفلاك الكواكب في قوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ [ المؤمنون : 17 ] ووصفت بالمثلى في قوله : وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى [ طه : 63 ] . ووصف طَرائِقَ ب قِدَداً ، وهو اسم جمع قدّة بكسر القاف وتشديد الدال والقدة : القطعة من جلد ونحوه المقطوعة طولا كالسير ، شبهت الطرائق في كثرتها بالقدد المقتطعة من الجلد يقطعها صانع حبال القدّ كانوا يقيدون بها الأسرى . والمعنى : أنهم يدعون إخوتهم إلى وحدة الاعتقاد باقتفاء هدى الإسلام ، فالخبر مستعمل في التعريض بذم الاختلاف بين القوم وأن على القوم أن يتحدوا ويتطلبوا الحق ليكون اتحادهم على الحق . وليس المقصود منه فائدة الخبر لأن المخاطبين يعلمون ذلك ، والتوكيد ب ( إنّ ) متوجه إلى المعنى التعريضي . [ 12 ] [ سورة الجن ( 72 ) : آية 12 ] وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً ( 12 ) قرأ الجمهور وأبو جعفر بكسر همزة وَأَنَّا . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وخلف بفتحها عطفا على المجرور في قوله : فَآمَنَّا بِهِ [ الجن : 2 ] . والتقدير : وآمنا بأن لن نعجز اللّه في الأرض . وذكر فعل ظَنَنَّا تأكيد لفظي لفعل « آمنا » المقدر بحرف العطف ، لأن الإيمان يقين وأطلق الظن هنا على اليقين وهو إطلاق كثير .