الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
212
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
توكيد لفظي . وحقيقة القعود الجلوس وهو ضد القيام ، أي هو جعل النصف الأسفل مباشرا للأرض مستقرا عليها وانتصاب النصف الأعلى . وهو هنا مجاز في ملازمة المكان زمنا طويلا لأن ملازمة المكان من لوازم القعود ومنه قوله تعالى : وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [ التوبة : 5 ] . والمقاعد : جمع مقعد وهو مفعل للمكان الذي يقع فيه القعود ، وأطلق هنا على مكان الملازمة فإن القعود يطلق على ملازمة الحصول كما في قول امرئ القيس : فقلت يمين اللّه أبرح قاعدا واللام في قوله : لِلسَّمْعِ لام العلة أي لأجل السمع ، أي لأن نسمع ما يجري في العالم العلوي من تصاريف الملائكة بالتكوين والتصريف ، ولعل الجن منساقون إلى ذلك بالجبلة كما تنساق الشياطين إلى الوسوسة ، وضمير مِنْها للسماء . و ( من ) تبعيضية ، أي من ساحاتها وهو متعلق ب نَقْعُدُ ، وليس المجرور حالا من مَقاعِدَ مقدّما على صاحبه لأن السياق في الكلام على حالهم في السماء فالعناية بمتعلق فعل القعود أولى ، ونظيره قول كعب : يمشي القراد عليها ثم يزلقه * منها لبان وأقرب زهاليل فقوله ( منها ) متعلق بفعل ( يزلقه ) وليس حالا من ( لبان ) . وأعلم أنه قد جرى على قوله تعالى : مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ مبحث في مباحث فصاحة الكلمات نسبه ابن الأثير في « المثل السائر » إلى ابن سنان الخفاجي فقال : إنه قد يجيء من الكلام ما معه قرينه فأوجب قبحه كقول الرضي في رثاء الصابي : أعزز عليّ بأن أراك وقد خلا * عن جانبيك مقاعد العوّاد فإن إيراد هذه اللفظة ( أي مقاعد ) في هذا الموضع صحيح إلّا أنه يوافق ما يكره ذكره لا سيما وقد أضافه إلى من يحتمل إضافته ( أي ما يكره ) إليه وهم العواد . ولو انفرد لكان الأمر فيه سهلا . قال ابن الأثير : هذه اللفظة المعيبة في شعر الرضي قد جاءت في القرآن فجاءت حسنة مرضية في قوله تعالى : تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ [ آل عمران : 121 ] وقوله : وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ ، ألا ترى أنها في هاتين الآيتين غير مضافة إلى من تقبح إضافتها إليه ولو قال الشاعر بدلا من مقاعد العواد مقاعد الزيارة