الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

213

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لزالت تلك الهجنة ا ه . وأقول : إن لمصطلحات الناس في استعمال الكلمات أثرا في وقع الكلمات عند الأفهام . والفاء التي فرعت فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً تفريع على محذوف دل عليه فعل كُنَّا وترتب الشرط وجزائه عليه وتقديره : كنا نقعد منها ( أي من السماء ) مقاعد للسمع فنستمع أشياء فمن يستمع الآن لا يتمكّن من السماع . وكلمة الْآنَ مقابل كلمة كُنَّا ، أي كان ذلك ثم انقضى . وجيء بصيغة الشرط وجوابه في التفريع لأن الغرض تحذير إخوانهم من التعرض للاستماع لأن المستمع يتعرض لأذى الشهب . والجنّ لا تنكف عن ذلك لأنهم منساقون إليه بالطبع مع ما ينالهم من أذى الرجم والاحتراق ، شأن انسياق المخلوقات إلى ما خلقت له مثل تهافت الفراش على النار ، لاحتمال ضعف القوة المفكرة في الجن بحيث يغلب عليها الشهوة ، ونحن نرى البشر يقتحمون الأخطار والمهالك تبعا للهوى مثل مغامرات الهواة في البحار والجبال والثلوج . ووقع شِهاباً في سياق الشرط يفيد العموم لأن سياق الشرط بمنزلة سياق النفي في إفادة عموم النكرة . والرصد : اسم جمع راصد وهو الحافظ للشيء وهو وصف ل شِهاباً ، أي شهبا راصدة ، ووصفها بالرصد استعارة شبهت بالحراس الراصدين . وهذا إشارة إلى انقراض الكهانة إذ الكاهن يتلقى من الجني أنباء مجملة بما يتلقفه الجنيّ من خبر الغيب تلقف اختطاف ناقصا فيكمله الكاهن بحدسه بما يناسب مجاري أحوال قومه وبلده . وفي الحديث « فيزيد على تلك الكلمة مائة كذبة » . وأما اتصال نفوس الكهان بالنفوس الشيطانية فيجوز أن يكون من تناسب بين النفوس ، ومعظمه أوهام . وسئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الكهان فقال : « ليسوا بشيء » . أخرج البخاري عن ابن عباس قال « كان الجن يستمعون الوحي » ( أي وحي اللّه إلى الملائكة بتصاريف الأمور ) فلما بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منعوا ، فقالوا : ما هذا إلّا لأمر حدث فضربوا في الأرض يتحسسون السبب فلما وجدوا رسول اللّه قائما يصلي بمكة قالوا : هذا الذي حدث في الأرض فقالوا لقومهم : إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً [ الجن : 1 ] الآية وأنزل على نبيئه قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [ الجن : 1 ] وإنما أوحي إليه قول الجن ا ه .