الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
198
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عطف على قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي [ نوح : 21 ] أعقبه بالدعاء عليهم بالإهلاك والاستئصال بأن لا يبقى منهم أحدا ، أي لا تبق منهم أحدا على الأرض . وأعيد فعل قالَ لوقوع الفصل بين أقوال نوح بجملة مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ [ نوح : 25 ] إلخ ، أو بها وبجملة وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا [ نوح : 24 ] . وقرنت بواو العطف لتكون مستقلة فلا تتبع جملة إِنَّهُمْ عَصَوْنِي للإشارة إلى أن دعوة نوح حصلت بعد شكايته بقوله : إِنَّهُمْ عَصَوْنِي . و دَيَّاراً : اسم مخصوص بالوقوع في النفي يعمّ كل إنسان ، وهو اسم بوزن فيعال مشتق من اسم الدار فعينه واو لأن عين دار مقدرة واوا ، فأصل ديّار : ديوار فلما اجتمعت الواو والياء واتصلتا وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء الزائدة كما فعل بسيّد وميّت ، ومعنى ديّار : من يحلّ بدار القوم كناية عن إنسان . ونظير ( ديّار ) في العموم والوقوع في النفي أسماء كثيرة في كلام العرب أبلغها ابن السكيت في « إصلاح المنطق » إلى خمسة وعشرين ، وزاد كراع النمل سبعة فبلغت اثنين وثلاثين أسماء وزاد ابن مالك في « التسهيل » ستة فصارت ثمانية وثلاثين . ومن أشهرها : أحد ، وديّار ، وعريب ، وكلها بمعنى الإنسان ، ولفظ ( بدّ ) بضم الموحدة وتشديد الدال المهملة وهو المفارقة . وجملة إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ تعليل لسؤاله أن لا يترك اللّه على الأرض أحدا من الكافرين يريد أنه خشي أن يضلوا بعض المؤمنين وأن يلدوا أبناء ينشئون على كفرهم . والأرض يجوز أن يراد بها جميع الكرة الدنيوية ، وأن يراد أرض معهودة للمتكلم والمخاطب كما في قوله تعالى : قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ يعني أرض مصر في سورة يوسف [ 55 ] . ويحتمل أن يكون البشر يومئذ منحصرين في قوم نوح ، ويجوز خلافه ، وعلى هذه الاحتمالات ينشأ احتمال أن يكون الطوفان قد غمر جميع الكرة الأرضية ، واحتمال أن يكون طوفانا قاصرا على ناحية كبيرة من عموم الأرض ، واللّه أعلم . وقد تقدم ذلك عند تفسير قوله تعالى : فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ في سورة الأعراف [ 64 ] .