الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
199
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وخبر إِنَّكَ مجموع الشرط مع جوابه الواقع بعد ( إنّ ) لأنه إذا اجتمع مبتدأ وشرط رجح الشرط على المبتدأ فأعطي الشرط الجواب ولم يعط المبتدأ خبرا لدلالة جملة الشرط وجوابه عليه . وعلم نوح أنهم لا يلدون إلّا فاجرا كفّارا بأن أولادهم ينشئون فيهم فيلقنونهم دينهم ويصدون نوحا عن أن يرشدهم فحصل له علم بهذه القضية بدليل التجربة . والمعنى : ولا يلدوا إلّا من يصير فاجرا كفّارا عند بلوغه سن العقل . والفاجر : المتصف بالفجور ، وهو العمل الشديد الفساد . والكفّار : مبالغة في الموصوف بالكفر ، أي إلّا من يجمع بين سوء الفعل وسوء الاعتقاد ، قال تعالى : أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [ عبس : 42 ] . وفي كلام نوح دلالة على أن المصلحين يهتمون بإصلاح جيلهم الحاضر ولا يهملون تأسيس أسس إصلاح الأجيال الآتية إذ الأجيال كلها سواء في نظرهم الإصلاحي . وقد انتزع عمر بن الخطاب من قوله تعالى : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ [ الحشر : 10 ] دليلا على إبقاء أرض سواد العراق غير مقسومة بين الجيش الذي فتح العراق وجعلها خراجا لأهلها قصدا لدوام الرزق منها لمن سيجيء من المسلمين . [ 28 ] [ سورة نوح ( 71 ) : آية 28 ] رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً ( 28 ) جعل الدعاء لنفسه ووالديه خاتمة مناجاته فابتدأ بنفسه ثم بأقرب الناس به وهما والده ، ثم عمّم أهله وذويه المؤمنين فدخل أولاده وبنوهم والمؤمنات من أزواجهم وعبر عنهم بمن دخل بيته كناية عن سكناهم معه ، فالمراد بقوله : دَخَلَ بَيْتِيَ دخول مخصوص وهو الدخول المتكرر الملازم . ومنه سميت بطانة المرء دخيلته ودخلته ، ثم عمم المؤمنين والمؤمنات ، ثم عاد بالدعاء على الكفرة بأن يحرمهم اللّه النجاح وهو على حد قوله المتقدم وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا [ نوح : 24 ] . والتبار : الهلاك والخسار ، فهو تخصيص للظالمين من قومه بسؤال استئصالهم بعد أن شملهم وغيرهم بعموم قوله : لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [ نوح : 26 ] حرصا على سلامة المجتمع الإنساني من شوائب المفاسد وتطهيره من العناصر الخبيثة .