الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

139

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والآخرة . وإضافة حق إلى يقين يجوز أن يكون من إضافة الموصوف إلى الصفة ، أي إنه لليقين الحق الموصوف بأنه يقين لا يشك في كونه حقا إلّا من غشي على بصيرته وهذا أولى من جعل الإضافة من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي لليقين الحق ، أي الذي لا تعتريه شبهة . واعلم أن حق اليقين ، وعين اليقين ، وعلم اليقين ، وقعت في القرآن . فحق اليقين وقع في هذه السورة وفي آخر سورة الواقعة ، وعلم اليقين وعين اليقين وقعا في سورة التكاثر ، وهذه الثلاثة إضافتها من إضافة الصفة إلى الموصوف أو من إضافة الموصوف إلى الصفة كما ذكرنا . ومعنى كل مركب منها هو محصل ما تدل عليه كلمتاه وإضافة إحداهما إلى الأخرى . وقد اصطلح العلماء على جعل كلمة ( علم اليقين ) اسما اصطلاحيا لما أعطاه الدليل بتصوّر الأمور على ما هي عليه حسب كلام السيد الجرجاني في كتاب « التعريفات » ، ووقع في كلام أبي البقاء في « الكليات » ما يدل على أن بعض هذه المركبات نقلت في بعض الاصطلاحات العلمية فصارت ألقابا لمعان ، وقال : علم اليقين لأصحاب البرهان ، وعين اليقين وحق اليقين أيضا لأصحاب الكشف والعيان كالأنبياء والأولياء على حسب تفاوتهم في المراتب ، قال : وقد حقق المحققون من الحكماء بأن بعد المراتب الأربع للنفس ( يعني مراتب تحصيل العلم للنفس المذكورة في المنطق الأوليات ، والمشاهدات الباطنية ، والتجريبات ، والمتواترات ) مرتبتين : إحداهما مرتبة عين اليقين وهي أن تصير النفس بحيث تشاهد المعقولات في المعارف التي تفيضها النفس كما هي ، والثانية مرتبة حق اليقين وهي أن تصير النفس بحيث تتصل بالمعقولات اتصالا عقليا وتلاقي ذاتها تلاقيا روحانيا . واصطلح علماء التصوف على جعل كل مركب من هذه الثلاثة لقبا لمعنى من الانكشاف العقلي وجرت في كتاب « الفتوحات المكية » للشيخ محيي الدين بن عربي . [ 52 ] [ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 52 ] فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( 52 ) تفريع على جميع ما تقدم من وصف القرآن وتنزيهه على المطاعن وتنزيه النبي صلى اللّه عليه وسلم عما افتراه عليه المشركون ، وعلى ما أيده اللّه به من ضرب المثل للمكذبين به بالأمم التي كذبت الرسل ، فأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بأن يسبح اللّه تسبيح ثناء وتعظيم شكرا له على ما أنعم به