الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

128

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وَالسَّلاسِلُ في سورة غافر [ 71 ] . وجملة ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً صفة سِلْسِلَةٍ وهذه الصفة وقعت معترضة بين المجرور ومتعلّقه للتهويل على المشركين المكذبين بالقارعة ، وليست الجملة مما خوطب الملائكة الموكلون بسوق المجرمين إلى العذاب ، ولذلك فعدد السبعين مستعمل في معنى الكثرة على طريقة الكناية مثل قوله تعالى : إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [ التوبة : 80 ] . والذّرع : كيل طول الجسم بالذراع وهو مقدار من الطول مقدر بذراع الإنسان ، وكانوا يقدرون بمقادير الأعضاء مثل الذراع ، والأصبع ، والأنملة ، والقدم ، وبالأبعاد التي بين الأعضاء مثل الشبر ، والفتر ، والرتب ( بفتح الراء والتاء ) ، والعتب ، والبصم ، والخطوة . وجملة إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ في موضع العلة للأمر بأخذه وإصلائه الجحيم . ووصف اللّه بالعظيم هنا إيماء إلى مناسبة عظم العذاب للذنب إذ كان الذنب كفرانا بعظيم فكان جزاء وفاقا . والحض على الشيء : أن يطلب من أحد فعل شيء ويلحّ في ذلك الطلب . ونفي حضه على طعام المسكين يقتضي بطريق الفحوى أنه لا يطعم المسكين من ماله لأنه إذا كان لا يأمر غيره بإطعام المسكين فهو لا يطعمه من ماله ، فالمعنى لا يطعم المسكين ولا يأمر بإطعامه ، وقد كان أهل الجاهلية يطعمون في الولائم ، والميسر ، والأضياف ، والتحابب ، رياء وسمعة . ولا يطعمون الفقير إلّا قليلا منهم ، وقد جعل عدم الحض على طعام المسكين مبالغة في شح هذا الشخص عن المساكين بمال غيره وكناية عن الشحّ عنهم بماله ، كما جعل الحرص على إطعام الضيف كناية عن الكرم في قول زينب بنت الطّثريّة ترثي أخاها يزيد : إذا نزل الأضياف كان عذورا * على الحي حتى تستقل مراجله تريد أنه يحضر الحي ويستعجلهم على نصف القدور للأضياف حتى توضع قدور الحي على الأثافي ويشرعوا في الطبخ ، والعذوّر بعين مهملة وذال معجمة كعملّس : الشكس الخلق .