الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
129
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إلّا أن كناية ما في الآية عن البخل أقوى من كناية ما في البيت عن الكرم لأن الملازمة في الآية حاصلة بطريق الأولوية بخلاف البيت . وإذ قد جعل عدم حضه على طعام المسكين جزء علة لشدة عذابه ، علمنا من ذلك موعظة للمؤمنين زاجرة عن منع المساكين حقهم في الأموال وهو الحق المعروف في الزكاة والكفارات وغيرها . وقوله : فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ من تمام الكلام الذي ابتدئ بقوله خُذُوهُ ، وتفريع عليه . والمقصود منه أن يسمعه من أوتي كتابه بشماله فييأس من أن يجد مدافعا يدفع عنه بشفاعة ، وتنديم له على ما أضاعه في حياته من التزلف إلى الأصنام وسدنتها وتمويههم عليه أنه يجدهم عند الشدائد وإلمام المصائب . وهذا وجه تقييد نفي الحميم ب الْيَوْمَ تعريضا بأن أحمّاءهم في الدنيا لا ينفعونهم اليوم كما قال تعالى : ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [ الأنعام : 22 ] وقوله عنهم فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا [ الأعراف : 53 ] وغير ذلك مما تفوق في آي القرآن . فقوله لَهُ هو خبر فَلَيْسَ لأن المجرور بلام الاختصاص هو محط الأخبار دون ظرف المكان . وقوله : هاهُنا ظرف متعلق بالكون المنوي في الخبر بحرف الجر . وهذا أولى من جعل هاهُنا خبرا عن فَلَيْسَ وجعل لَهُ صفة ل حَمِيمٌ إذ لا حاجة لهذا الوصف . والحميم : القريب ، وهو هنا كناية عن النصير إذ المتعارف عند العرب أن أنصار المرء هم عشيرته وقبيلته . وَلا طَعامٌ عطف على حَمِيمٌ . والغسلين : بكسر الغين ما يدخل في أفواه أهل النار من المواد السائلة من الأجساد وماء النار ونحو ذلك مما يعلمه اللّه فهو علم على ذلك مثل سجين ، وسرقين ، وعرنين ، فقيل إنه فعلين من الغسل لأنه سال من الأبدان فكأنه غسل عنها . ولا موجب لبيان اشتقاقه . و الْخاطِؤُنَ : أصحاب الخطايا يقال : خطئ إذا أذنب .