الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
127
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بلامين لأن الغل مضاعف اللام ، فحقه أن يكون مثل عمّم ، إذا جعل له عمامة ، وأزّر ، إذا ألبسه إزارا ، ودرّع الجارية ، إذا ألبسها الدرع ، فلعلهم قالوا : غلّه تخفيفا . وعطف بفاء التعقيب لإفادة الإسراع بوضعه في الأغلال عقب أخذه . و ثُمَّ في قوله : ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ للتراخي الرتبي لأن مضمون الجملة المعطوفة بها أشد في العقاب من أخذه ووضعه في الأغلال . وصلّى : مضاعف تضعيف تعدية لأن صلي النار معناه أصابه حرقها أو تدفأ بها ، فإذا عدّي قيل : أصلاه نارا ، وصلّاه نارا . و ثُمَّ من قوله : ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ للتراخي الرتبي بالنسبة لمضمون الجملتين قبلها لأن مضمون فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً أعظم من مضمون فَغُلُّوهُ . ومضمون فَاسْلُكُوهُ دل على إدخاله الجحيم فكان إسلاكه في تلك السلسلة أعظم من مطلق إسلاكه الجحيم . ومعنى فَاسْلُكُوهُ : اجعلوه سالكا ، أي داخلا في السلسلة وذلك بأن تلف عليه السلسلة فيكون في وسطها ، ويقال : سلكه ، إذا أدخله في شيء ، أي اجعلوه في الجحيم مكبّلا في أغلاله . وتقديم الْجَحِيمَ على عامله لتعجيل المساءة مع الرعاية على الفاصلة وكذلك تقديم فِي سِلْسِلَةٍ على عامله . واقتران فعل فَاسْلُكُوهُ بالفاء إمّا لتأكيد الفاء التي اقترنت بفعل فَغُلُّوهُ ، وإما للايذان بأن الفعل منزل منزلة جزاء شرط محذوف ، وهذا الحذف يشعر به تقديم المعمول غالبا كأنه قيل : مهما فعلتم به شيئا فاسلكوه في سلسلة ، أو مهما يكن شيء فاسلكوه . والمقصود تأكيد وقوع ذلك والحثّ على عدم التفريط في الفعل وأنه لا يرجى له تخفيف ، ونظيره قوله تعالى : وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [ المدثر : 3 - 5 ] ، وتقدم عند قوله تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا في سورة [ يونس : 58 ] . والسلسلة : اسم لمجموع حلق من حديد داخل بعض تلك الحلق في بعض تجعل لوثاق شخص كيلا يزول من مكانه ، وتقدم في قوله تعالى : إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ