الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
119
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وضمير فَوْقَهُمْ يعود إلى الْمَلَكُ . ويتعلق فَوْقَهُمْ ب يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ وهو تأكيد لما دل عليه يحمل من كون العرش عاليا فهو بمنزلة القيدين في قوله : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [ الأنعام : 38 ] . والخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإضافة عرش إلى اللّه إضافة تشريف مثل إضافة الكعبة إليه في قوله : وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ الآية [ الحج : 26 ] ، واللّه منزه عن الجلوس على العرش وعن السكنى في بيت . والخطاب في قوله : تُعْرَضُونَ لجميع الناس بقرينة المقام وما بعد ذلك من التفصيل . والعرض : أصله إمرار الأشياء على من يريد التأمل منها مثل عرض السلعة على المشتري وعرض الجيش على أميره ، وأطلق هنا كناية عن لازمه وهو المحاسبة مع جواز إرادة المعنى الصريح . ومعنى لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ : لا تخفى على اللّه ولا على ملائكته . وتأنيث خافِيَةٌ لأنه وصف لموصوف مؤنث يقدر بالفعلة من أفعال العباد ، أو يقدر بنفس ، أي لا تختبئ من الحساب نفس أي أحد ، ولا يلتبس كافر بمؤمن ، ولا بارّ بفاجر . وجملة يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ مستأنفة ، أو هي بيان لجملة فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ ، أو بدل اشتمال منها . و مِنْكُمْ صفة ل خافِيَةٌ قدمت عليه فتكون حالا . وتكرير يَوْمَئِذٍ أربع مرات لتهويل ذلك اليوم الذي مبدؤه النفخ في الصور ثم يعقبه ما بعده مما ذكر في الجمل بعده ، فقد جرى ذكر ذلك اليوم خمس مرات لأن فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ تكرير ل ( إذا ) من قوله : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ إذ تقدير المضاف إليه في يَوْمَئِذٍ هو مدلول جملة فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ ، فقد ذكر زمان النفخ أولا وتكرر ذكره بعد ذلك أربع مرات . وقرأ الجمهور لا تَخْفى بمثناة فوقية . وقرأه حمزة والكسائي وخلف بالتحتية لأن تأنيث خافِيَةٌ غير حقيقي ، مع وقوع الفصل بين الفعل وفاعله .