الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

120

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 19 - 24 ] [ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 19 إلى 24 ] فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ ( 19 ) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ( 20 ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ( 21 ) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ( 22 ) قُطُوفُها دانِيَةٌ ( 23 ) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ ( 24 ) الفاء تفصيل لما يتضمنه تُعْرَضُونَ [ الحاقة : 18 ] إذ العرض عرض للحساب والجزاء فإيتاء الكتاب هو إيقاف كل واحد على صحيفة أعمال . و ( أمّا ) حرف تفصيل وشرط وهو يفيد مفاد ( مهما يكن من شيء ) ، والمعنى : مهما يكن عرض مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ . . . فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ، وشأن الفاء الرّابطة لجوابها أن يفصل بينها وبين ( أما ) بجزء من جملة الجواب أو بشيء من متعلقات الجواب مهتم به لأنهم لما التزموا حذف فعل الشرط لاندماجه في مدلول ( أما ) كرهوا اتصال فاء الجواب بأداة الشرط ففصلوا بينهما بفاصل تحسينا لصورة الكلام ، فقوله : مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ أصله صدر جملة الجواب ، وهو مبتدأ خبره فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ كما سيأتي . ودل قوله : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ على كلام محذوف للإيجاز تقديره فيؤتى كلّ أحد كتاب أعماله ، فأما من أوتي كتابه إلخ على طريقة قوله تعالى : أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ [ الشعراء : 63 ] . والباء في قوله : بِيَمِينِهِ للمصاحبة أو بمعنى ( في ) . وإيتاء الكتاب باليمين علامة على أنه إيتاء كرامة وتبشير ، والعرب يذكرون التناول باليمين كناية عن الاهتمام بالمأخوذ والاعتزاز به ، قال الشمّاخ : إذا ما راية رفعت لمجد * تلقّاها عرابة باليمين وقال تعالى : وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ الآية [ الواقعة : 27 - 28 ] ثم قال : وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ الآية [ الواقعة : 41 - 42 ] . وجملة فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ جواب شرط ( أمّا ) وهو مغن عن خبر المبتدأ ، وهذا القول قول ذي بهجة وحبور يبعثان على اطلاع الناس على ما في كتاب أعماله من جزاء في مقام الاغتباط والفخار ، ففيه كناية عن كونه من حبور ونعيم فإن المعنى الكنائي هو الغرض الأهم من ذكر العرض .