الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

100

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ وإمّا بمعنى العيب وهو كونه عاريا جائعا فيكون في معنى قوله : فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ [ الصافات : 145 ] فإن السقم عيب أيضا . وتنكير نِعْمَةٌ للتعظيم لأنها نعمة مضاعفة مكررة . وفرع على هذا النفي الإخبار بأن اللّه اجتباه وجعله من الصالحين . والمراد ب الصَّالِحِينَ المفضلون من الأنبياء ، وقد قال إبراهيم عليه السلام رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [ الشعراء : 83 ] وذلك إيماء إلى أن الصلاح هو أصل الخير ورفع الدرجات ، وقد تقدم في قوله : كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ في سورة التحريم [ 10 ] . قال ابن عباس : رد اللّه إلى يونس الوحي وشفعه في نفسه وفي قومه . [ 51 - 52 ] [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 51 إلى 52 ] وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ( 51 ) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 52 ) عطف على جملة فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ [ القلم : 44 ] ، عرّف اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم بعض ما تنطوي عليه نفوس المشركين نحو النبي صلى اللّه عليه وسلم من الحقد والغيظ وإضمار الشر عندما يسمعون القرآن . والزلق : بفتحتين زلل الرجل من ملاسة الأرض من طين عليها أو دهن ، وتقدم في قوله تعالى : فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً في سورة الكهف [ 40 ] . ولما كان الزلق يفضي إلى السقوط غالبا أطلق الزلق وما يشتق منه على السقوط والاندحاض على وجه الكناية ، ومنه قوله هنا لَيُزْلِقُونَكَ ، أي يسقطونك ويصرعونك . وعن مجاهد : أي ينفذونك بنظرهم . وقال القرطبي : يقال زلق السهم وزهق ، إذا نفذ ، ولم أراه لغيره ، قال الراغب قال يونس : لم يسمع الزلق والإزلاق إلّا في القرآن ا ه . قلت : وعلى جميع الوجوه فقد جعل الإزلاق بأبصارهم على وجه الاستعارة المكنية ، شبهت الأبصار بالسهام ورمز إلى المشبه به بما هو من روادفه وهو فعل ( يزلقونك ) وهذا مثل قوله تعالى : إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا [ آل عمران : 155 ] .