الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
101
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقرأ نافع وأبو جعفر ( يزلقونك ) بفتح المثناة مضارع زلق بفتح اللام يزلق متعديا ، إذا نحاه عن مكانه . وجاء يَكادُ بصيغة المضارع للدلالة على استمرار ذلك في المستقبل ، وجاء فعل سَمِعُوا ماضيا لوقوعه مع لَمَّا وللإشارة إلى أنه قد حصل منهم ذلك وليس مجرد فرض . واللام في لَيُزْلِقُونَكَ لام الابتداء التي تدخل كثيرا في خبر إِنْ المكسورة وهي أيضا تفرق بين إِنْ المخففة وبين ( إنّ ) النافية . وضمير إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ عائد إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم حكاية لكلامهم بينهم ، فمعاد الضمير كائن في كلام بعضهم ، أوليس للضمير معاد في كلامهم لأنه منصرف إلى من يتحدثون عنه في غالب مجالسهم . والمعنى : يقولون ذلك اعتلالا لأنفسهم إذ لم يجدوا في الذكر الذي يسمعونه مدخلا للطعن فيه فانصرفوا إلى الطعن في صاحبه صلى اللّه عليه وسلم ، بأنه مجنون لينتقلوا من ذلك إلى أن الكلام الجاري على لسانه لا يوثق به ليصرفوا دهماءهم عن سماعه ، فلذلك أبطل اللّه قولهم : إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ بقوله : وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ، أي ما القرآن إلّا ذكر للناس كلهم وليس بكلام المجانين ، وينتقل من ذلك إلى أن الناطق به ليس من المجانين في شيء . والذكر : التذكير باللّه والجزاء هو أشرف أنواع الكلام لأن فيه صلاح الناس . فضمير هُوَ عائد إلى غير مذكور بل إلى معلوم من المقام ، وقرينة السياق ترجع كلّ ضمير من ضميري الغيبة إلى معاده ، كقول عباس بن مرداس : عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم * بالمسلمين وأحرزوا ما جمّعوا أي لأحرز الكفار ما جمّعه المسلمون . وفي قوله : وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ مع قوله في أول السورة ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [ القلم : 2 ] محسن ردّ العجز على الصدر . وقوله : وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ إبطال لقولهم : إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ لأنهم قالوه في سياق تكذيبهم بالقرآن فإذا ثبت أن القرآن ذكر بطل أن يكون مبلّغه مجنونا . وهذا من قبيل الاحتباك إذ التقدير : ويقولون إنه لمجنون وإن القرآن كلام مجنون ، وما القرآن إلّا ذكر وما أنت إلّا مذكر .