الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
82
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إن المدينة تبوّئت بالإيمان والهجرة وإن غيرها من القرى افتتحت بالسيف ثم قرأ : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ الآية . وجملة يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ حال من الذين تبوّءوا الدار ، وهذا ثناء عليهم بما تقرر في نفوسهم من أخوة الإسلام إذ أحبوا المهاجرين ، وشأن القبائل أن يتحرجوا من الذين يهاجرون إلى ديارهم لمضايقتهم . ومن آثار هذه المحبة ما ثبت في « الصحيح » من خبر سعد بن الربيح مع عبد الرحمن بن عوف إذ عرض سعد عليه أن يقاسمه ماله وأن ينزل له عن إحدى زوجتيه ، وقد أسكنوا المهاجرين معهم في بيوتهم ومنحوهم من نخيلهم ، وحسبك الأخوة التي آخى النبي صلى اللّه عليه وسلّم بين المهاجرين والأنصار . وقوله : وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا أريد بالوجدان الإدراك العقلي ، وكنى بانتفاء وجدان الحاجة عن انتفاء وجودها لأنها لو كانت موجودة لأدركوها في نفوسهم وهذا من باب قول الشاعر : ولا ترى الضبّ بها ينجحر والحاجة في الأصل : اسم مصدر الحوج وهو الاحتياج ، أي الافتقار إلى شيء ، وتطلق على الأمر المحتاج إليه من إطلاق المصدر على اسم المفعول ، وهي هنا مجاز في المأرب والمراد ، وإطلاق الحاجة إلى المأرب مجاز مشهور ساوى الحقيقة كقوله تعالى : وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ [ غافر : 80 ] ، أي لتبلغوا في السفر عليها المأرب الذي تسافرون لأجله ، وكقوله تعالى : إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها [ يوسف : 68 ] أي مأربا مهمّا وقول النابغة : أيام تخبرني نعم وأخبرها * ما أكتم الناس من حاجي وإسراري وعليه فتكون ( من ) في قوله : مِمَّا أُوتُوا ابتدائية ، أي مأربا أو رغبة ناشئة من فيء أعطيه المهاجرون . والصدور مراد بها النفوس جمع الصدر وهو الباطن الذي فيه الحواس الباطنة وذلك كإطلاق القلب على ذلك . و ( ما أوتوا ) هو فيء بني النضير . وضمير صُدُورِهِمْ عائد إلى الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ ، وضمير أُوتُوا عائد إلى مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ ، لأن من هاجر جماعة من المهاجرين فروعي في ضمير معنى ( من )