الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
83
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بدون لفظها . وهذان الضميران وإن كانا ضميري غيبة وكانا مقتربين فالسامع يرد كل ضمير إلى معاده بحسب السياق مثل ( ما ) في قوله تعالى : وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها في سورة الروم [ 9 ] . وقول عباس بن مرداس يذكر انتصار المسلمين مع قومه بني سليم على هوازن : عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم * بالمسلمين وأحرزوا ما جمّعوا ( أي أحرز جيش هوازن ما جمّعه جيش المسلمين ) . والمعنى : أنهم لا يخامر نفوسهم تشوف إلى أخذ شيء مما أوتيه المهاجرون من فيء بني النضير . ويجوز وجه آخر بأن يحمل لفظ حاجة على استعماله الحقيقي اسم مصدر الاحتياج فإن الحاجة بهذا المعنى يصح وقوعها في الصدور لأنها من الوجدانيات والانفعالات . ومعنى نفي وجدان الاحتياج في صدورهم أنهم لفرط حبهم للمهاجرين صاروا لا يخامر نفوسهم أنهم مفتقرون إلى شيء مما يؤتاه المهاجرون ، أي فهم أغنياء عما يؤتاه المهاجرون فلا تستشرف نفوسهم إلى شيء مما يؤتاه المهاجرون بله أن يتطلبوه . وتكون ( من ) في قوله تعالى : مِمَّا أُوتُوا للتعليل ، أي حاجة لأجل ما أوتيه المهاجرون ، أو ابتدائية ، أي حاجة ناشئة عما أوتيه المهاجرون فيفيد انتفاء وجدان الحاجة في نفوسهم وانتفاء أسباب ذلك الوجدان ومناشئه المعتادة في الناس تبعا للمنافسة والغبطة ، وقد دل انتفاء أسباب الحاجة على متعلق حاجة المحذوف إذ التقدير : ولا يجدون في نفوسهم حاجة لشيء أوتيه المهاجرون . والإيثار : ترجيح شيء على غيره بمكرمة أو منفعة . والمعنى : يؤثرون على أنفسهم في ذلك اختيارا منهم وهذا أعلى درجة مما أفاده قوله : وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا فلذلك عقب به ولم يذكر مفعول يُؤْثِرُونَ لدلالة قوله : مِمَّا أُوتُوا عليه . ومن إيثارهم المهاجرين ما روي في « الصحيح » أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم دعا الأنصار ليقطع لهم قطائع بنخل البحرين فقالوا : لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها . وإما إيثار الواحد منهم على غيره منهم فما رواه البخاري عن أبي هريرة قال : « أتى رجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه أصابني الجهد . فأرسل في نسائه فلم يجد عندهنّ شيئا فقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : ألا رجل يضيف هذا الليلة رحمه اللّه ، فقام رجل من الأنصار ( هو