الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

55

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

السامع إلى ما سيخبر به عن المتصفين بضد ذلك . وهم المؤمنون الذين لا يوادّون من حادّ اللّه ورسوله ص . وكتابة الإيمان في القلوب نظير قوله : كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ المجادلة : 21 ] . وهي التقدير الثابت الذي لا تتخلف آثاره ، أي هم المؤمنون حقا الذين زين اللّه الإيمان في قلوبهم فاتّبعوا كماله وسلكوا شعبه . والتأييد : التقوية والنصر . وتقدم بيانه عند قوله تعالى : وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ في سورة البقرة [ 87 ] ، أي أن تأييد اللّه إياهم قد حصل وتقرّر بالإتيان بفعل المضيّ للدلالة على الحصول وعلى التحقق والدوام فهو مستعمل في معنييه . والروح هنا : ما به كمال نوع الشيء من عمل أو غيره ، وروح من اللّه : عنايته ولطفه . ومعاني الروح في قوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ في سورة الإسراء [ 85 ] ، ووعدهم بأنه يدخلهم في المستقبل الجنات خالدين فيها . ورضي اللّه عنهم حاصل من الماضي ومحقّق الدوام فهو مثل الماضي في قوله : وَأَيَّدَهُمْ ، ورضاهم عن ربهم كذلك حاصل في الدنيا بثباتهم على الدين ومعاداة أعدائه ، وحاصل في المستقبل بنوال رضي اللّه عنهم ونوال نعيم الخلود . وأما تحول التعبير إلى المضارع في قوله : وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ فلأنه الأصل في الاستقبال . وقد استغني عن إفادة التحقيق بما تقدمه من قوله تعالى : أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ . وقوله : أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ إلى آخره كالقول في أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ [ المجادلة : 19 ] . وحرف التنبيه يحصل منه تنبيه المسلمين إلى فضلهم . وتنبيه من يسمع ذلك من المنافقين إلى ما حبا اللّه به المسلمين من خير الدنيا والآخرة لعل المنافقين يغبطونهم فيخلصون الإسلام . وشتان بين الحزبين . فالخسران لحزب الشيطان ، والفلاح لحزب اللّه تعالى .