الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

339

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إحصان فرجها ، أي بأن كوّن اللّه فيه نبيئا بصفة خارقة للعادة فخلد بذلك ذكرها في الصالحات . والنفخ : مستعار لسرعة إبداع الحياة في المكوّن في رحمها . وإضافة الروح إلى ضمير الجلالة لأن تكوين المخلوق الحيّ في رحمها كان دون الأسباب المعتادة ، أو أريد بالروح الملك الذي يؤمر بنفخ الأرواح في الأجنة ، فعلى الأول تكون مِنْ تبعيضية ، وعلى الثاني تكون ابتدائية ، وتقدم قوله تعالى : فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا في سورة الأنبياء [ 91 ] . وتصديقها : يقينها بأن ما أبلغ إليها الملك من إرادة اللّه حملها . و بِكَلِماتِ رَبِّها : هي الكلمات التي ألقاها إليها بطريق الوحي . و وَكُتُبِهِ يجوز أن يكون المراد به « الإنجيل » الذي جاء به ابنها عيسى وهو إن لم يكن مكتوبا في زمن عيسى فقد كتبه الحواريون في حياة مريم . ويجوز أن يراد ب كُتُبِهِ ، أراده اللّه وقدّره أن تحمل من دون مس رجل إياها من باب وكان كتابا مفعولا . والقانت : المتمحض للطاعة . يجوز أن يكون و مِنْ للابتداء . والمراد بالقانتين : المكثرون من العبادة . والمعنى أنها كانت سليلة قوم صالحين ، أي فجاءت على طريقة أصولها في الخير والعفاف . وهل ينبت الخطّي إلا وشيجة وهذا إيماء إلى تبرئتها مما رماها به القوم البهت . وهذا نظير قوله تعالى : وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ [ النور : 26 ] . ويجوز أن تجعل مِنْ للتبعيض ، أي هي بعض من قنت للّه . وغلبت صيغة جمع الذكور ولم يقل : من القانتات ، جريا على طريقة التغليب وهو من تخريج الكلام على مقتضى الظاهر . وهذه الآية مثال في علم المعاني . ونكتته هنا الإشارة إلى أنها في عداد أهل الإكثار من العبادة وأن شأن ذلك أن يكون للرجال لأن نساء بني إسرائيل كن معفيات من عبادات كثيرة .