الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

248

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عطية صيغة التفاعل على معنى الكثرة وشدة الفعل ( كما في قولنا : عافاك اللّه وتبارك اللّه ) فتكون استعارة ، أي خسارة للكافرين إذ هم مناط الإنذار . وهذا في معنى قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ في سورة البقرة [ 16 ] ، وقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ الآية في سورة الصف [ 10 ] . فصيغة التفاعل مستعملة مجازا في كثرة حصول الغبن تشبيها للكثرة بفعل من يحصل من متعدد . والكلام تهديد للمشركين بسوء حالتهم في يوم الجمع ، إذ المعنى : ذلك يوم غبنكم الكثير الشديد بقرينة قوله قبله فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا [ التغابن : 8 ] . والغابن لهم هو اللّه تعالى . ولولا قصد ذلك لما اقتصر على أن ذلك يوم تغابن فإن فيه ربحا عظيما للمؤمنين باللّه ورسوله والقرآن ، فوزان هذا القصر وزان قوله : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [ البقرة : 16 ] وقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم « 1 » : « إنما المفلس الذي يفلس يوم القيامة » . وأفاد تعريف جزأي جملة ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ قصر المسند على المسند إليه أي قصر جنس يوم التغابن على يوم الجمعة المشار إليه باسم الإشارة ، وهو من قبيل قصر الصفة على الموصوف قصرا ادعائيا ، أي ذلك يوم الغبن لا أيام أسواقكم ولا غيرها ، فإن عدم أهمية غبن الناس في الدنيا جعل غبن الدنيا كالعدم وجعل يوم القيامة منحصرا فيه جنس الغبن . وأما لام التعريف في قوله : التَّغابُنِ فهي لام الجنس ، ومن هذا المعنى قوله تعالى : قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [ الزمر : 15 ] . وقوله في ضده يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ [ فاطر : 29 ] . هذا هو المتعين في تفسير هذه الآية وأكثر المفسرين مرّ بها مرّا . ولم يحتلب منها درّا . وها أنا ذا كددت ثمادي ، فعسى أن يقع للناظر كوقع القراح من الصادي ، واللّه الهادي . يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ

--> ( 1 ) ذكره البخاري تعليقا في بعض أبواب الأدب من « صحيحه » .