الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

249

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . معطوفة على جملة فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [ التغابن : 8 ] وهو تفصيل لما أجمل في قوله : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [ التغابن : 8 ] الذي هو تذييل . و مَنْ شرطية والفعل بعدها مستقبل ، أي من يؤمن من المشركين بعد هذه الموعظة نكفر عنه ما فرط من سيئاته . والمراد بالسيئات : الكفر وما سبقه من الأعمال الفاسدة . وتكفير السيئات : العفو عن المؤاخذة بها وهو مصدر كفّر مبالغة في كفر . وغلب استعماله في العفو عما سلف من السيّئات وأصله : استعارة الستر للإزالة مثل الغفران أيضا . وانتصب صالِحاً على الصفة لمصدر وهو مفعول مطلق محذوف تقديره : عملا صالحا . وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر نكفر وندخله بنون العظمة على الالتفات من الغيبة إلى التكلم لأن مقام الوعد مقام إقبال فناسبه ضمير التكلم . وقرأهما الباقون بياء الغيبة على مقتضى الظاهر لأن ضمير الجلالة يؤذن بعناية اللّه بهذا الفريق . وجملة ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ تذييل . وقوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا ، أي كفروا وكذبوا من قبل واستمرّوا على كفرهم وتكذيبهم فلم يستجيبوا لهذه الدعوة ثبت لهم أنهم أصحاب النار . ولذلك جيء في جانب الخبر عنهم بالجملة الاسمية الدالة على الثبات لعراقتهم في الكفر والتكذيب . وجيء لهم باسم الإشارة لتمييزهم تمييزا لا يلتبس معه غيرهم بهم مثل قوله : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : 5 ] مع ما يفيده اسم الإشارة من أن استحقاقهم لملازمة النار ناشئ عن الكفر والتكذيب بآيات اللّه وهذا وعيد . وجملة وَبِئْسَ الْمَصِيرُ اعتراض تذييلي لزيادة تهويل الوعيد .