الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
125
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهو القبض بضد ذلك ، فبسط اليد الإكثار من عملها . والمراد به هنا : عمل اليد الذي يضرّ مثل الضرب والتقييد والطعن ، وعمل اللسان الذي يؤذي مثل الشتم والتهكم . ودلّ على ذلك قوله : بِالسُّوءِ ، فهو متعلق ب يَبْسُطُوا الذي مفعوله أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ . وجملة وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ حال من ضمير يَكُونُوا ، والواو واو الحال ، أي وهم قد ودّوا من الآن أن تكفروا فكيف لو يأسرونكم أليس أهم شيء عندهم حينئذ أن يردّوكم كفارا ، فجملة الحال دليل على معطوف مقدّر على جواب الشرط كأنه قيل : إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء إلى آخره ، ويردوكم كفارا ، وليست جملة وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ معطوفة على جملة الجواب ، لأن محبتهم أن يكفر المسلمون محبة غير مقيدة بالشرط ، ولذلك وقع فعل وَدُّوا ماضيا ولم يقع مضارعا مثل الأفعال الثلاثة قبله يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا ليعلم أنه ليس معطوفا على جواب الشرط . وهذا الوجه أحسن مما في كتاب « الإيضاح » للقزويني في بحث تقييد المسند بالشرط ، إذ استظهر أن يكون وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ عطفا على جملة إِنْ يَثْقَفُوكُمْ . ونظره بجملة ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ من قوله تعالى : وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ في آل عمران [ 111 ] . فإن المعطوف ب ( ثم ) فيها عطف على مجموع الشرط وفعله وجوابه لا على جملة فعل الشرط . و لَوْ هنا مصدرية ففعل تَكْفُرُونَ مؤول بمصدر ، أي ودّوا كفركم . [ 3 ] [ سورة الممتحنة ( 60 ) : آية 3 ] لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 3 ) تخلص من تبيين سوء عاقبة موالاة أعداء الدّين في الحياة الدنيا ، إلى بيان سوء عاقبة تلك الموالاة في الآخرة ، ومناسبة حسن التخلص قوله : وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ [ الممتحنة : 2 ] الدالّ على معنى : أن ودادتهم كفركم من قبل أن يثقفوكم تنقلب إلى أن يكرهوكم على الكفر حين يثقفونكم ، فلا تنفعكم ذوا أرحامكم مثل الأمهات والإخوة الأشقاء ، وللأمّ ، ولا أولادكم ، ولا تدفع عنكم عذاب الآخرة إن كانوا قد نفعوكم في الدنيا بصلة ذوي الأرحام ونصرة الأولاد .